إعرف دينكالقران الكريم

ما سبب نزول سورة الواقعة؟

دليلك الشرعي الكامل لمعرفة أسباب نزول سورة الواقعة وأسرار آياتها بالدليل الصحيح من الكتاب والسنة النبوية

ما سبب نزول سورة الواقعة؟

سورة الواقعة هي تلك الرَّجَّة الروحية التي تعيد ترتيب أولويات الإنسان في هذه الحياة، فهي لم تنزل لتكون مجرد كلمات نمر عليها سريعاً، بل جاءت لتقرع القلوب الغافلة، وتكشف بوضوح باهر عن مشهد النهاية والبداية الحقيقية، فعندما تتدبر آياتها تلحظ ذلك المزيج المهيب بين الوصف التصويري الدقيق لأهوال القيامة، وبين الحنان الإلهي الذي يربت على قلوب المؤمنين، مما يدفع اللبيب للتساؤل بعمق: ما الذي كان يدور في كواليس السيرة النبوية والمجتمع المكي والمدني حين كانت هذه الآيات تتنزل؟ وما الذي أبكى الصحابة وأقض مضاجعهم حتى جاء التعقيب الرباني بلسماً لجراحهم؟

إن البحث في سبب نزول سورة الواقعة هو مفتاح أصيل لفك شفرات المقاصد الكبرى التي من أجلها قسَّم الله العباد إلى سابقين وأصحاب يمين وأصحاب شمال، وفي هذا السفر المعرفي سنكتشف معاً الأسرار والوقائع الحقيقية والروابط العميقة التي ثبتت في صحيح الأثر، لنرى كيف رسمت هذه السورة خريطة الخلود البشري بناءً على مواقف حية شهدها عصر الوحي.

سورة الواقعة مكتوبة بالكامل

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ ﴿١﴾ لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ ﴿٢﴾ خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ ﴿٣﴾ إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا ﴿٤﴾ وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا ﴿٥﴾ فَكَانَتْ هَبَاءً مُّنبَثًّا ﴿٦﴾ وَكُنتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَٰثَةٗ ﴿٧﴾ فَأَصۡحَٰبُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصۡحَٰبُ الْمَيْمَنَةِ ﴿٨﴾ وَأَصۡحَٰبُ ٱلۡمَشۡـَٔمَةِ مَآ أَصۡحَٰبُ ٱلۡمَشۡـَٔمَةِ ﴿٩﴾ وَٱلسَّٰبِقُونَ ٱلسَّٰبِقُونَ ﴿١٠﴾ أُوْلَٰٓئِكَ الْمُقَرَّبُونَ ﴿١١﴾ فِي جَنَّٰتِ النَّعِيمِ ﴿١٢﴾ ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ ﴿١٣﴾ وَقَلِيلٌ مِّنَ الْآخِرِينَ ﴿١٤﴾ عَلَىٰ سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ ﴿١٥﴾ مُّتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ ﴿١٦﴾ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ ﴿١٧﴾ بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ ﴿١٨﴾ لَّا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنزِفُونَ ﴿١٩﴾ وَفَٰكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ ﴿٢٠﴾ وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ ﴿٢١﴾ وَحُورٌ عِينٌ ﴿٢٢﴾ كَأَمۡثَٰلِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ ﴿٢٣﴾ جَزَآءَۢ ءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴿٢٤﴾ لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا ﴿٢٥﴾ إِلَّا قِيلًا سَلَٰمٗا سَلَٰمٗا ﴿٢٦﴾ وَأَصۡحَٰبُ الْيَمِينِ مَآ أَصۡحَٰبُ الْيَمِينِ ﴿٢٧﴾ فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ ﴿٢٨﴾ وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ ﴿٢٩﴾ وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ ﴿٣٠﴾ وَمَآءٖ مَّسْكُوبٍ ﴿٣١﴾ وَفَٰكِهَةٍ كَثِيرَةٍ ﴿٣٢﴾ لَّا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ ﴿٣٣﴾ وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ ﴿٣٤﴾ إِنَّآ أَنشَأۡنَٰهُنَّ إِنشَآءً ﴿٣٥﴾ فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا ﴿٣٦﴾ عُرُبًا أَتْرَابًا ﴿٣٧﴾ لِّأَصۡحَٰبِ الْيَمِينِ ﴿٣٨﴾ ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ ﴿٣٩﴾ وَثُلَّةٌ مِّنَ الْآخِرِينَ ﴿٤٠﴾ وَأَصۡحَٰبُ الشِّمَالِ مَآ أَصۡحَٰبُ الشِّمَالِ ﴿٤١﴾ فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ ﴿٤٢﴾ وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ ﴿٤٣﴾ لَّا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ ﴿٤٤﴾ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَٰلِكَ مُتْرَفِينَ ﴿٤٥﴾ وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ ﴿٤٦﴾ وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَٰمًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ ﴿٤٧﴾ أَوَءَابَآؤُنَا الْأَوَّلُونَ ﴿٤٨﴾ قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ ﴿٤٩﴾ لَمَجْمُوعُونَ إِلَىٰ مِيقَٰتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ ﴿٥٠﴾ ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا ٱلضَّآلُّونَ الْمُكَذِّبُونَ ﴿٥١﴾ لَأٓكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِّن زَقُّومٍ ﴿٥٢﴾ فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ ﴿٥٣﴾ فَشَٰرِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ ﴿٥٤﴾ فَشَٰرِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ ﴿٥٥﴾ هَٰذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ ﴿٥٦﴾ نَحْنُ خَلَقۡنَٰكُمۡ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ ﴿٥٧﴾ أَفَرَءَيۡتُم مَّا تُمْنُونَ ﴿٥٨﴾ ءَأَنتُمۡ تَخۡلُقُونَهُۥٓ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ ﴿٥٩﴾ نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسۡبُوقِينَ ﴿٦٠﴾ عَلَىٰ أَن نُّبَدِّلَ أَمۡثَٰلَكُمۡ وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴿٦١﴾ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَىٰ فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ ﴿٦٢﴾ أَفَرَءَيۡتُم مَّا تَحْرُثُونَ ﴿٦٣﴾ ءَأَنتُمۡ تَزۡرَعُونَهُۥٓ أَمْ نَحْنُ ٱلزَّٰرِعُونَ ﴿٦٤﴾ لَوْ نَشَآءُ لَجَعَلۡنَٰهُ حُطَٰمٗا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ ﴿٦٥﴾ إِنَّا لَمُغْرَمُونَ ﴿٦٦﴾ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ ﴿٦٧﴾  أَفَرَءَيۡتُمُ ٱلۡمَآءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ ﴿٦٨﴾ ءَأَنتُمۡ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ ﴿٦٩﴾ لَوْ نَشَآءُ جَعَلۡنَٰهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ ﴿٧٠﴾ أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ ﴿٧١﴾ ءَأَنتُمۡ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَآ أَمْ نَحْنُ الْمُنشِئُونَ ﴿٧٢﴾ نَحْنُ جَعَلۡنَٰهَا تَذْكِرَةً وَمَتَٰعٗا لِّلْمُقْوِينَ ﴿٧٣﴾ فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ ﴿٧٤﴾ ۞فَلَآ أُقۡسِمُ بِمَوَٰقِعِ النُّجُومِ ﴿٧٥﴾ وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّو تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ﴿٧٦﴾ إِنَّهُۥ لَقُرۡءَانٞ كَرِيمٌ ﴿٧٧﴾ فِي كِتَٰبٖ مَّكْنُونٍ ﴿٧٨﴾ لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ ﴿٧٩﴾ تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ ﴿٨٠﴾ أَفَبِهَٰذَا الْحَدِيثِ أَنتُم مُّدْهِنُونَ ﴿٨١﴾ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ ﴿٨٢﴾ فَلَوۡلَآ إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ ﴿٨٣﴾ وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ ﴿٨٤﴾ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَٰكِن لَّا تُبْصِرُونَ ﴿٨٥﴾ فَلَوۡلَآ إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ ﴿٨٦﴾ تَرْجِعُونَهَآ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ ﴿٨٧﴾ فَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ ﴿٨٨﴾ فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ ﴿٨٩﴾ وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنْ أَصۡحَٰبِ الْيَمِينِ ﴿٩٠﴾ فَسَلَٰمٌ لَّكَ مِنْ أَصۡحَٰبِ الْيَمِينِ ﴿٩١﴾ وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّآلِّينَ ﴿٩٢﴾ فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ ﴿٩٣﴾ وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ ﴿٩٤﴾ إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ ﴿٩٥﴾ فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ ﴿٩٦﴾

لسماع سورة الواقعة بصوت يلمس قلبك اضغط هنا.

بطاقة تعريفية بسورة الواقعة

قبل أن نغوص في تفاصيل سبب نزول سورة الواقعة، من المهم جداً أن نتعرف على هذه السورة بشيء من الإيجاز الذي يمهد لنا فهم سياقها التاريخي والتشريعي:

السورة مكيَّة بالاتفاق الإجمالي لجمهور المفسرين، وإن كان هناك نقاش سنذكره حول بعض الآيات.

ترتيبها في المصحف رقم 56، وعدد آياتها 96 آية، وتقع في الجزء السابع والعشرون.

محور السورة الأساسي هو ترسيخ عقيدة البعث والجزاء، وتقسيم الخلق يوم القيامة إلى ثلاثة أصناف، وإقامة الأدلة والبراهين على قدرة الله عز وجل في الخلق والنشأة الأولى والآخرة.

سياق نزول سورة الواقعة (هل السورة مكية أم مدنية؟)

لعل أول خطوة لفهم سبب نزول سورة الواقعة هي تحديد البيئة التي نزلت فيها، ويجمع جماهير علماء التفسير (مثل الإمام القرطبي، وابن كثير، والسيُّوطي) على أن سورة الواقعة هي سورة مكيَّة، نزلت قبل هجرة النبي ﷺ إلى المدينة المنورة.

كانت البيئة المكية وقتها تموج بإنكار شديد لعقيدة البعث والنشور، وكان مشركو قريش يستبعدون تماماً أن يعود الإنسان حياً بعد أن يصبح عظاماً ورفاتاً، كما قال تعالى في سورة أخرى: {وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا}، وجاءت السورة لتقرع قلوبهم وتثبت بالدليل القاطع أن القيامة حق، وأنها واقعة لا محالة.

⬅️ ذكر بعض المفسرين أن هناك آيات استثنائية نزلت في المدينة المنورة (مثل قوله تعالى: {تُجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ})، وسنفصل في هذا الأمر بالأدلة الصحيحة في السطور القادمة، لنتعرف على السبب المباشر وراء نزول هذه المقاطع.

ما سبب نزول سورة الواقعة؟

عندما نبحث في كتب أسباب النزول المعتمدة ككتاب الإمام الواحدي أو “لباب النقول” للإمام السيوطي، نجد أن السور المكية الطويلة غالباً لا يكون لها سبب نزول واحد يخص السورة من أولها إلى آخرها، بل تنزل السورة كمنظومة عقدية متكاملة لتعالج قضية عامة (وهي هنا إثبات القيامة)، ومع ذلك تشتمل سورة الواقعة على آيات محددة نزلت للرد على حوادث معينة أو تساؤلات طرحها الصحابة أو المشركون، فدعونا نستعرض هذه الأسباب بالتفصيل:

سبب نزول آيات أصناف البشر وسهام القسمة (السابقون وأصحاب اليمين)

في بداية السورة قسَّم الله سبحانه وتعالى البشر يوم القيامة إلى ثلاثة أصناف (السابقون المقربون، أصحاب الميمنة، وأصحاب المشأمة) وعندما نزلت الآيات التي تصف ثواب هؤلاء، استشعر الصحابة نوعاً من الشفقة والخوف.

يقول الله تعالى في وصف السابقين: {ثُلَّةٌ مِّنَ الأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِّنَ الآخِرِينَ} (سورة الواقعة، الآيات 13-14).

 لما نزلت هذه الآية، شقَّ ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ وحزنوا، إذ ظنوا أن المقربين والسابقين من الأمم السابقة سيكونون كثرة كاثرة، بينما نصيب أمة محمد ﷺ من هذا الفضل سيكون قليلاً جداً بالنظر إلى قوله {وَقَلِيلٌ مِّنَ الآخِرِينَ}.

فماذا حدث بعد ذلك؟ من رحمة الله بعباده أنزل تعقيباً وتخفيفاً يثلج الصدور، ورود في السنة النبوية ما يوضح هذا السياق؛ فحين وجد النبي ﷺ من أصحابه ذلك الحزن والتخوف، أنزل الله جل وعلا الآيات التي تتحدث عن “أصحاب اليمين”: {ثُلَّةٌ مِّنَ الأَوَّلِينَ * وَثُلَّةٌ مِّنَ الآخِرِينَ} (سورة الواقعة، الآيات 39-40).

فدعاهم النبي ﷺ وبشرهم وقال: «أما تَرضَونَ أن تَكونوا رُبُعَ أهلِ الجَنَّةِ؟ قال: فكَبَّرنا، ثُمَّ قال: أما تَرضَونَ أن تَكونوا ثُلُثَ أهلِ الجَنَّةِ؟ قال: فكَبَّرنا، ثُمَّ قال: إنِّي لأرجو أن تَكونوا شَطرَ أهلِ الجَنَّةِ»، وفي رواية مفسرة أوردها ابن جرير الطبري وغيره، تبين أن الله جعل لأمة محمد ﷺ نصيباً عظيماً وصنفها كـ”ثلة” من الآخرين تجبر الخواطر وتؤكد عظم مكانة هذه الأمة المرحومة.

سبب نزول آية {وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ}

هذا الموضع من سورة الواقعة يعد من أشهر المواضع التي ثبت لها سبب نزول صريح وصحيح في السنة النبوية المطهرة، وهو يتعلق بمسألة “الاستسقاء بالأنواء” (أي نسبة المطر إلى النجوم والكواكب بدلاً من نسبته إلى الله).

الحديث الصحيح المفسر للآية أخرجه الإمام مسلم في صحيحه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: مُطر الناس على عهد رسول الله ﷺ، فقال النبي ﷺ: «أصبح من الناس شاكر ومنهم كافر، قالوا: هذه رحمة الله، وقال بعضهم: لقد صدق نوء كذا وكذا»، فأنزل الله عز وجل هذه الآيات: {فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ…} حتى وصل إلى قوله: {وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ} (الواقعة: 75-82).

معنى {وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ} أي تجعلون شكركم لله على الرزق والنعمة التي أنزلها إليكم (وهي المطر والماء الذي به حياة كل شيء) أنكم تكذبون بنسبتها إلى غير فاعلها ومسديها، فتقولون: “مُطرنا بنوء كذا”، وهو نجم كذا، فجاءت الآية عتاباً وإنكاراً على هذا الصنيع الجاهلي، وترسيخاً لعقيدة التوحيد الخالص بأن مسبب الأسباب ومجري السحاب هو الله وحده لا شريك له.

تمني أهل الطائف للظلال والنعيم وتشابهها مع وصف السورة

يروي بعض المفسرين في كتب التفسير بالمأثور، أن من أسباب التفصيل العجيب في ذكر نعيم الجنة بسورة الواقعة (مثل قوله: {وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ * وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ * وَمَاء مَّسْكُوبٍ})، أن المسلمين أو بعض العرب كانوا ينظرون إلى وجْ ممتد بالطائف (وهو وادٍ خصيب فيه ظلال وأشجار الموز والطلح)، وكانوا يعجبون بظله وثماره ويتمنون مثله.

فأنزل الله تبارك وتعالى هذه الآيات ليخبرهم أن في الجنة ما هو أجل وأعظم وأبقى من ظلال الدنيا الفانية وثمارها، وأن طلح الجنة وظلها لا ينقطع ولا يزول، ليربط قلوبهم بالنعيم المقيم ويزهدوا في حطام الدنيا الزائل.

المقاصد الكبرى والمحاور الأساسية في سورة الواقعة

لكي تكتمل الصورة في ذهنك، لا يمكننا فصل سبب نزول سورة الواقعة عن مقاصدها العامة، فالسورة لم تأتِ لمجرد سرد أحداث مستقبلية، بل جاءت لتهز الوجدان البشري عبر محاور رئيسية صاغها القرآن بأسلوب بديع:

أولاً.. تحقيق وقوع القيامة وفجائيتها

تبدأ السورة بأداة الشرط {إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ * لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ}، وهنا إشارة حاسمة إلى أن هذا الحدث لا مجال للشك فيه، والاسم نفسه “الواقعة” يدل على ثبوت الأمر، ومن أهداف النزول إسكات كل لسان مشرك يدعي أن الموت هو النهاية.

ثانياً.. فرز الخلائق والعدالة الإلهية

تنقسم السورة بعد ذلك مباشرة إلى تقسيم البشر إلى:

  • السابقون السابقون وهم صفوة الخلق من الأنبياء والصديقين.

  • أصحاب اليمين وهم عموم المؤمنين الأبرار الذين يؤتون كتبهم بأيمانهم.

  • أصحاب الشمال وهم أهل التكذيب والعناد الذين عاشوا في ترف الدنيا ومعاصيها واستكبروا عن الحق.

ثالثاً.. المحاجة بالبراهين العقلية والمشاهدات اليومية

في النصف الثاني من سورة الواقعة ينتقل السياق إلى استجواب العقل البشري عبر أربعة أدلة مرئية يعيشها الإنسان يومياً ولا يملك القدرة على خلقها:

  • دليل الخلق الإنساني {أَفَرَأَيْتُم مَّا تُمْنُونَ * أَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ}.

  • دليل الزراعة والإنبات {أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ * أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ}.

  • دليل الماء العذب {أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاء الَّذِي تَشْرَبُونَ * أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ}.

  • دليل النار والطاقة {أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ * أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنشِؤُونَ}.

كل هذه الأدلة سِيقت في السورة لتبين للمشركين المنكرين أن الله الذي أوجد هذه النعم من العدم قادر وبكل سهولة على إعادة إحياء الموتى وحسابهم.

أصناف الخلق في سورة الواقعة وجزاؤهم

لتسهيل استيعاب الخريطة العامة للسورة، دعنا نلخص ثواب وعقاب الأصناف الثلاثة كما ورد في الآيات الكريمة عبر هذا الجدول التوضيحي السريع:

الصنف المعني أبرز صفاتهم في الدنيا جزاؤهم في سورة الواقعة
السابقون المقربون المسارعة إلى الخيرات، الإخلاص التام، والسبق بالإيمان. جنات النعيم، على سرر موضونة، يطوف عليهم ولدان مخلدون، بأكواب وأباريق، لا يصدعون عنها ولا ينزفون، وفاكهة مما يتخيرون.
أصحاب اليمين الإيمان بالله، العمل الصالح، وتأدية الواجبات والفرائض. في سدر مخضود، وطلح منضود، وظل ممدود، وماء مسكوب، وفاكهة كثيرة لا مقطوعة ولا ممنوعة، وفرش مرفوعة.
أصحاب الشمال الإتراف، الإصرار على الحنث العظيم (الشرك)، والتكذيب بالبعث. في سموم وحميم، وظل من يحموم لا بارد ولا كريم، أكل من شجر من زقوم، وفشاربون عليه من الحميم فشاربون شرب الهيم.

فضائل سورة الواقعة

عند الحديث عن سورة الواقعة، يتبادر فوراً إلى أذهان الكثيرين الحديث المشهور جداً: “من قرأ سورة الواقعة كل ليلة لم تصبه فاقة أبداً”، ولأننا تعهدنا في هذا المقال بالالتزام التام بالمنهج العلمي الدقيق، وجب علينا توضيح الحقائق الحديثية حول هذا الأمر:

حديث الفاقة والفقر هذا الحديث رُوي عن ابن مسعود رضي الله عنه، لكنه من الناحية الحديثية والنقدية عند جهابذة علماء الحديث (مثل الإمام أحمد، والدارقطني، والشرقاوي، والألباني) يُصنف كحديث ضعيف الإسناد.

المنهج الصحيح في التعامل مع السورة على الرغم من ضعف إسناد هذا الحديث بخصوص نفي الفقر المادي المباشر، إلا أن قراءة سورة الواقعة وتدبرها يورث العبد أعظم أنواع الغنى، وهو غنى النفس واليقين بالله والتوكل عليه؛ لأن السورة تذكر العبد بأن الرزق كله بيد الله وحده (فهو من ينبت الزرع، وينزل الماء، ويخلق الأجنة).

وثبت عن النبي ﷺ أنه كان يقرأ في صلاة الفجر بسور من المفصل كان من بينها سورة الواقعة وأشباهها، مما يدل على عظم مكانتها وأهمية الاستماع إليها بوعي وتدبر في بواكر النهار.

أسئلة شائعة حول سبب نزول سورة الواقعة 

هل سورة الواقعة مكية كاملة أم فيها آيات مدنية؟

أجمع جمهور المفسرين على أنها مكية، وذكر بعض العلماء كابن عباس وقتادة أن هناك آيتين مدنيتين وهما قوله تعالى: {وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ} نظراً لقصة الاستسقاء بالأنواء التي حدثت بالمدينة، ولكن السورة في عموم قالبها وموضوعها وهيكلها مكيَّة.

لماذا سُميت سورة الواقعة بهذا الاسم؟

سُميت السورة بهذا الاسم لافتتاحها بكلمة “الواقعة” في أول آية منها {إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ}، والواقعة هي اسم من أسماء يوم القيامة، سُميت بذلك لتحقق وقوعها وثبوته دون شك.

ما هي العبرة المستفادة من أسباب نزول سورة الواقعة؟

العبرة الأساسية هي ربط القلوب بالله تبارك وتعالى وتجريد التوحيد له، سواء في مسألة الإيمان باليوم الآخر والجزاء، أو في مسألة نسبة النعم والأرزاق (كالمطر والزرع) إلى الخالق سبحانه وتعالى والابتعاد عن الشرك الخفي والظاهري.

في الختام، نكون قد أجبنا بوضوح وبأدلة قاطعة من الكتاب والسنة على سؤال: ما سبب نزول سورة الواقعة؟ وتعرفنا على أن هذه السورة العظيمة جاءت لتزلزل عروش الكفر والإنكار في مكة، ولتبشر المؤمنين وتصنف الخلق بعدالة إلهية مطلقة، فضلاً عن علاجها المباشر لمسألة شكر النعم ونبذ المعتقدات الجاهلية كنسبة الأرزاق إلى النجوم.

إن تدبر سورة الواقعة هو المنهج الحقيقي للامتثال لأوامر الله ونيل بركتها؛ فليست العبرة بالقراءة اللسانية السريعة فحسب، بل بالوقوف عند معانيها وتطبيق توحيد الإخلاص والتوكل في حياتنا اليومية.

أرجو أن يكون هذا الدليل قد قدم لك الإفادة الإيمانية والعلمية التي تبحث عنها بكل أمانة. شارك المقال مع عائلتك وأصدقائك لتعم الفائدة، ونلتقي دائماً على مائدة القرآن الكريم وهدي السنة النبوية.

المصدر

1 ، 2 ، 3

زر الذهاب إلى الأعلى
Index