إعرف دينكالقران الكريم

ما هي السبع المثاني ولماذا سميت بهذا الاسم؟

تفسير السبع المثاني ودلالتها الإيمانية من صحيح الكتاب والسنة

ما هي السبع المثاني ولماذا سميت بهذا الاسم؟

لو تأملنا تفاصيل يومنا كمسلمين، لوجدنا أن هناك نصاً قرآنياً محدداً يتردد على ألسنتنا سبع عشرة مرة في الفرائض اليومية، دون أن يتسلل الملل إلى قلوبنا، بل نجد فيه في كل مرة طمأنينة متجددة، وهذا النص هو سر إلهي عظيم امتن الله به على نبيه الكريم في محكم التنزيل، وسماه السبع المثاني.

لكن هل وقفت يوماً مع نفسك متدبراً في الصلاة وأنت تقرأ هذه الآيات، لتسأل ما هي السبع المثاني ولماذا سميت بهذا الاسم؟ ولماذا أفردها الله عز وجل بالذكر وقرنها بالقرآن العظيم كله في سورة الحجر؟

إن فهم هذا المصطلح القرآني يغير نظرتنا تماماً للعبادة اليومية، وينقلنا من مجرد الترديد اللفظي إلى استشعار العظمة البلاغية والتشريعية التي أودعها الله في هذه السبع، وسنتناول في هذا المقال أسرار هذا الاسم، ونستعرض ما ثبت في الوحيين (الكتاب والسنة النبوية) من أدلة وبراهين تشرح حقيقة السبع المثاني وتكشف عن فضائلها وأسرار تسميتها، بعيداً عن الروايات الضعيفة أو التفسيرات الشاذة، ليكون هذا الدليل مرجعك الإيماني الواضح.

السبع المثاني في القرآن الكريم

قبل أن نتعرف على المعاني اللغوية والاصطلاحية، دعنا نقف أولاً عند الأصل الذي استقينا منه هذا اللفظ، فلقد ورد ذكر السبع المثاني في سورة الحجر، وهي سورة مكيَّة، حيث قال الله سبحانه وتعالى في الآية 87: {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ}.

تأتي هذه الآية الكريمة في سياق الامتنان الإلهي على الرسول صلى الله عليه وسلم، وتطييب خاطره الشريف في مواجهة تكذيب قريش وإعراضهم، وكأن الله يقول له إن كانوا قد أوتوا حظوظاً من الدنيا وزينتها، فقد آتيناك ما هو أعظم وأبقى، آتيناك السبع المثاني والقرآن العظيم الذي يزن الدنيا وما فيها.

ومن هذه الآية انطلق علماء الأمة من المفسرين والفقهاء لبيان حقيقة هذه الهبة الربانية، وتحديد المقصود الدقيق بها، والبحث في اقترانها بالقرآن العظيم كعطف الخاص على العام لبيان شرفها ومكانتها.

ما هي السبع المثاني؟ 

حين نرجع إلى أقوال المفسرين وأئمة السلف الصالح، نجد أن التفسير الأصح والأقوى للسبع المثاني هو أنها سورة الفاتحة (فاتحة الكتاب)، وهذا ليس مجرد اجتهاد عقلي، بل هو تفسير نبوي صريح نص عليه النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث صحيحة لا تدع مجالاً للشك.

الدليل من السنة النبوية المطهرة

روى الإمام البخاري في صحيحه عن أبي سعيد بن المعلى رضي الله عنه قال: مَرَّ بيَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وأنا أُصَلِّي، فدَعاني فلَم آتِه حتَّى صَلَّيتُ ثُمَّ أتَيتُ، فقال: ما مَنَعَكَ أن تَأتيَني؟ فقُلتُ: كُنتُ أُصَلِّي، فقال: ألَم يَقُلِ اللهُ: {يا أيُّها الذينَ آمَنوا استَجيبوا للهِ وللرَّسولِ إذا دَعاكُم لِما يُحييكُم}، ثُمَّ قال: ألا أُعَلِّمُكَ أعظَمَ سورةٍ في القُرآنِ قَبلَ أن أخرُجَ مِنَ المَسجِدِ، فذَهَبَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ليَخرُجَ مِنَ المَسجِدِ، فذَكَّرتُه، فقال: الحَمدُ للهِ رَبِّ العالَمينَ. هي السَّبعُ المَثاني، والقُرآنُ العَظيمُ الذي أوتيتُه.

وفي حديث آخر أخرجه الإمام أحمد والترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال عن أم القرآن (الفاتحة): “هي أم القرآن، وهي السبع المثاني، وهي القرآن العظيم”.

هذه النصوص الثابتة تقطع قول كل خطيب، وتؤكد أن السبع المثاني المراد بها بالدرجة الأولى هي سورة الفاتحة، السورة التي يفتتح بها المسلم صلاته ولا تصح العبادة إلا بها.

أقوال أخرى في المراد بالسبع المثاني (عند أهل السنة)

رغم أن التفسير النبوي حسم أن الفاتحة هي السبع المثاني، إلا أن هناك قولاً آخر مشهوراً عن جماعة من الصحابة والتابعين (مثل ابن عباس، وابن مسعود، وسعيد بن جبير) لا يتعارض مع الأول من حيث القيمة الإيمانية، بل يثري الفهم القرآني، وهذا القول يرى أن السبع المثاني هي السبع الطوال من سور القرآن الكريم، وهي:

  1. سورة البقرة.

  2. سورة آل عمران.

  3. سورة النساء.

  4. سورة المائدة.

  5. سورة الأنعام.

  6. سورة الأعراف.

  7. سورة الأنفال والتوبة معاً (لعدم الفصل بينهما بالبسملة)، أو سورة يونس بناءً على روايات أخرى.

والعلة في تسمية السور الطوال بالمثاني، أن العبر والأحكام والقصص تثنى فيها وتتكرر، ولأنها تشتمل على فرائض وأحكام مفصلة، ومع ذلك يظل القول بأنها سورة الفاتحة هو المقدم والمؤيد بالدليل المرفوع مباشرة إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

لماذا سميت السبع المثاني بهذا الاسم؟

يتساءل الكثيرون عن السر اللغوي والشرعي وراء هذا الاسم المركب (السبع المثاني)، فالتسمية تتكون من شقين “السبع” و”المثاني”، ولكل شق سبب وعلة واضحة في لغة العرب واستعمال الشرع.

العلة في تسميتها “سبعاً”

إذا كانت هي سورة الفاتحة، فالأمر واضح وجلي، لأن سورة الفاتحة تتكون من سبع آيات بالإجماع، وقد اختلف العلماء فقط في تصنيف البسملة ({بسم الله الرحمن الرحيم})، فمنهم من اعتبرها الآية الأولى (كالمرسل في المذهب الشافعي)، ومنهم من اعتبرها آية مستقلة واعتبر الآية الأخيرة {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} آية منفصلة عما بعدها (كالمذهب المالكي والحنفي)، وفي كلتا الحالتين المجموع الكلي لآيات السورة هو سبع آيات كاملة لا تزيد ولا تنقص.

أما إذا كانت هي السور الطوال، فالتسمية بالسبع تعود إلى عددها، حيث إنها سبع سور طوال افتتح بها القرآن الكريم بعد الفاتحة.

العلة في تسميتها “المثاني”

كلمة “المثاني” مشتقة في اللغة العربية من الجذر (ث ن ي)، وهو يدل على التكرار، أو الثناء، أو الاستثناء، وبناءً على ذلك وضع العلماء عدة توجيهات لطيفة لسبب تسمية الفاتحة بالمثاني:

السبب والعلة الشرح والتفصيل الإيماني
التكرار في الصلاة سميت مثاني لأنها تُثنّى؛ أي تُعاد وتُكرر في كل ركعة من ركعات الصلاة، فرضاً كانت أو نفلاً، فلا تصح صلاة مسلم بدون قراءتها.
اشتمالها على الثناء مشتقة من الثناء على الله عز وجل، فالنصف الأول من سورة الفاتحة كله ثناء وتمجيد لله: {الحمد لله رب العالمين * الرحمن الرحيم * مالك يوم الدين}.
استثناء الأمة المحمدية بها قيل لأن الله تعالى استثناها لهذه الأمة وادخرها لها دون غيرها من الأمم السابقة، فلم تنزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور سورة مثلها.
اقتران المعاني المتقابلة لأنها يثنى فيها الثناء بذكر صفات الجلال والجمال، وتتكرر فيها المعاني المتقابلة مثل الهداية {اهدنا الصراط المستقيم} مقابل الغضب والضلال {غير المغضوب عليهم ولا الضالين}.

فضائل وخصائص السبع المثاني (سورة الفاتحة)

إن اختيار سورة الفاتحة لتكون هي السبع المثاني التي يمتن الله بها على نبيه يعكس المكانة العالية والخصائص الفريدة التي حبا الله بها هذه السورة، وإليك أبرز فضائلها المثبتة في الوحيين:

أعظم سورة في القرآن الكريم

كما مر معنا في حديث أبي سعيد بن المعلى، نص النبي صلى الله عليه وسلم صراحة على أنها “أعظم سورة في القرآن”، وعظمتها تأتي من جمعها لمجمل مقاصد الدين وأصول العقيدة من توحيد، وعبادة، وأحكام، ووعد ووعيد، وقصص الأمم السابقة في سبع آيات وجيزة.

ركن أساسي في الصلاة لا تصح إلا به

جعل الله قراءة السبع المثاني شرطاً لصحة الصلاة، فعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: كنا خلفَ رسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في صلاةِ الفجرِ فقرأَ رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فثَقُلَتْ عليهِ القِرَاءةُ فلما فَرَغَ قال لعلكم تقرؤونَ خلْفَ إمامِكُم قلنَا نَعَمْ هذا يا رسولَ اللهِ قال لا تفعَلُوا إلا بفاتِحَةِ الكتابِ فإنه لا صلاةَ لمن لم يقرَأْ بِهَا.

وسواء كان المصلي إماماً أو مأموماً أو منفرداً، فإن الفاتحة تظل ركناً حاضراً في كل ركعة.

السورة المقسمة بين العبد وربه

في الحديث القدسي الجليل الذي يرويه النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه: “قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: {الحمد لله رب العالمين}، قال الله تعالى: حمدني عبدي…” (رواه مسلم)، فهذا الحوار الرباني اليومي يضفي على السبع المثاني خشوعاً هائلاً، حيث يشعر المصلي أن الله يسمعه ويرد عليه آية بآية.

الشفاء والرقية الشرعية

تُعرف سورة الفاتحة بـ “الشافية” أو “الوافية”، وفي قصة أبي سعيد الخدري رضي الله عنه الشهيرة عندما رقى سيد حي من لدوغ عقرب بقراءة الفاتحة فبرأ كأنما نشط من عقال، قال له النبي صلى الله عليه وسلم مقراً صنيعه: “وما أدراك أنها رقية؟”، فهي شفاء للأبدان من الأسقام، وشفاء للقلوب من الشبهات والشهوات.

أسرار بلاغية وتشريعية في السبع المثاني

تتميز السبع المثاني ببنية بلاغية معجزة تجمع شتات الدين في كلمات معدودات، وإذا تأملنا سورة الفاتحة، نجدها تنقسم إجمالاً إلى ثلاثة أقسام رئيسية:

القسم الأول

معرفة الله والثناء عليه ويشمل الآيات الثلاث الأولى ({الحمد لله رب العالمين * الرحمن الرحيم * مالك يوم الدين})، حيث يتعرف العبد على ربه من خلال أسمائه وصفاته، ويثبت له الألوهية والربوبية والرحمة الواسعة والملك المطلق يوم القيامة.

القسم الثاني

العهد والعبودية ويتمثل في الآية الوسطى ({إياك نعبد وإياك نستعين})، وهي تفويض كامل لله وتبرؤ من الحول والقوة إلا به سبحانه، وتجمع بين غاية الدين (العبادة) ووسيلتها (الاستعانة).

القسم الثالث

الدعاء والطلب ويشمل الآيات الأخيرة ({اهدنا الصراط المستقيم…})، وهو أعظم دعاء يمكن أن يدعو به البشر، طلب الهداية والثبات على طريق الأنبياء والصالحين، والبعد عن طريق المغضوب عليهم والضالين.

← هذا الترتيب البديع يفسر لماذا سمي هذا النص الوجيز بالسبع المثاني؛ فهو يثني العبد فيه الطلب بعد الثناء، ويجمع له خيري الدنيا والآخرة في تناسق فريد.

فروقات حول السبع المثاني

لتقريب الصورة وتلخيص أقوال أهل العلم المعتبرة بشكل سريعة، نضع بين يديك هذا الجدول المبسط:

وجه المقارنة القول الأول (الراجح والمرفوع) القول الثاني (المأثور عن بعض السلف)
المقصود باللفظ سورة الفاتحة (فاتحة الكتاب) السبع السور الطوال (البقرة إلى الأعراف/يونس)
مستند الدليل نصوص صريحة من السنة النبوية الصحيحة (البخاري ومسلم) اجتهاد وتفسير لبعض الصحابة والتابعين في معنى الآية
سبب تسمية “السبع” لأنها تتكون من 7 آيات شريفة لأنها تتكون من 7 سور كبار مفصلة
سبب تسمية “المثاني” تكرارها في الصلاة، واشتمالها على الثناء والاستثناء للأمة لتكرار القصص والأحكام والعبر والأمثال فيها

الأسئلة الشائعة حول السبع المثاني

هل البسملة آية من السبع المثاني؟

البسملة محسوبة في العدد الإجمالي لآيات سورة الفاتحة السبع عند جمهور القراء والفقهاء، لكن الاختلاف يقع في طريقة عدّها؛ فالشافعية يرون {بسم الله الرحمن الرحيم} هي الآية الأولى، بينما يرى آخرون كالحنفية والمالكية أن البسملة آية مستقلة لافتتاح السور، وأن الآية الأخيرة {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} هي آية مستقلة والآية التي تليها آية أخرى، ليبقى المجموع دائماً سبع آيات.

هل يجوز إطلاق وصف “المثاني” على القرآن كله؟

يجوز ذلك من باب الوصف العام، فقد قال الله تعالى في سورة الزمر: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ}، والقرآن كله مثاني لأن القصص والأحكام والوعد والوعيد تثنى وتكرر فيه، لكن عندما يقترن اللفظ بالعدد فيقال السبع المثاني، فالمراد به خصوصاً سورة الفاتحة أو السور الطوال كما بيَّنا بالدليل.

ما حكم نسيان قراءة السبع المثاني في الصلاة؟

بما أن السبع المثاني (الفاتحة) ركن من أركان الصلاة عند جمهور أهل العلم، فإن نسيانها أو تركها عمداً يبطل الركعة التي تركت فيها، وإذا كان المصلي منفرداً أو إماماً ونسيها، وجب عليه إلغاء تلك الركعة والإتيان بركعة بديلة ثم سجود السهو، أما المأمول خلف الإمام، فالمسألة فيها خلاف فقهي مشهور؛ حيث يرى بعض العلماء أن قراءة الإمام قراءة للمأموم، بينما يرى الشافعية وجوب قراءتها على المأموم أيضاً في كل الأحوال سرية كانت الصلاة أو جهرية احتياطاً للصلاة.

في الختام، ندرك أن السبع المثاني هي هبة إلهية عظيمة مَنَّ الله بها على الأمة المحمدية لتكون لها صلة دائمة بالخالق سبحانه، وحصناً منيعاً من الشرور، وشفاءً من الأمراض.

إن فقه المسلم لمعنى السبع المثاني ولماذا سميت بهذا الاسم، يخرجه من دائرة العبادة العادية التلقائية إلى دائرة التدبر والخشوع، فحين تفتتح صلاتك وتقول “الحمد لله رب العالمين”، تذكر أنك تثني على ملك الملوك، وأن الله يرد عليك في عليائه، وتأمل كيف جمع الله لك الدين كله في سبع آيات محكمات، فنسأل الله تعالى أن يفتح علينا فتوح العارفين، وأن يجعل القرآن العظيم والسبع المثاني ربيع قلوبنا وجلاء أحزاننا ونور أبصارنا.

المصدر

1 ، 2 ، 3 ، 4

زر الذهاب إلى الأعلى
Index