
فضائل قراءة آخر سورة الحشر تمثل محطة إيمانية فريدة يقف عندها المسلم كل يوم، ليغسل قلبه من هموم الدنيا وضغوطها بمجرد تلاوة هذه الآيات الثلاث البديعة، فالسر الحقيقي والبركة الكامنة في خواتيم هذه السورة لا يقتصران فقط على نيل الثواب والأجر المكتوب، بل يمتدان ليعيدوا تشكيل وعي العبد بربه وجلاله؛ فحين تلهج الألسن بذكر أسماء الله الحسنى وصفاته العُلى من الملك والقداسة إلى الرحمة والجبر والمغفرة، ينزاح عن النفس كل خوف وقلق من المستقبل، ويحل محلَّه يأس تام من المخلوقين وتعلق خالص بالخالق وحده.
ولأن الساحة الرقمية اليوم تعج بروايات مبالغ فيها وقصص مجهولة المصدر، كان من الضروري أن نبحث في الأثر الحقيقي لهذه الآيات بإنصاف، مستندين إلى ما صح وتواتر في منهج أهل السنة والجماعة، فالقرآن لا يحتاج إلى مبالغات لكي تظهر عظمته، ويكفينا أن نتأمل كيف وصفت السورة ذاتها أثر كلام الله بأنه لو نزل على جبل صلب لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله، فكيف بقلب الإنسان العاقل حين يتدبر تلك المعاني ويستشعرها؟
مكانة سورة الحشر في القرآن الكريم
قبل أن نفصل في فضائل قراءة آخر سورة الحشر، يجدر بنا أولاً أن نأخذ لمحة سريعة عن السورة نفسها، فسورة الحشر هي سورة مدنية نزلت بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة، وعدد آياتها 24 آية، وتقع السورة في الجزء الثامن والعشرين من المصحف الشريف، وتسمى أيضاً بسورة بني النضير، لأنها تناولت بشكل رئيسي جلاء يهود بني النضير وكيف نصر الله رسوله والمؤمنين عليهم دون قتال كبير.
تتميز السورة بمحاور غاية في الأهمية، منها:
-
بيان قدرة الله تعالى وعزته في نصرة أوليائه وتوهين أعدائه.
-
توضيح أحكام الفيء والغنائم وكيفية توزيعها على الفقراء والمهاجرين والأنصار.
-
التحذير من مسلك النفاق والمنافقين الذين يوالون أعداء الدين.
-
الوقوف على عظمة القرآن الكريم، حيث وصف الله تأثيره لو نزل على جبل لتصدع من خشية الله.
-
الختام البديع بذكر أسماء الله الحسنى وصفاته الجليلة في الآيات الثلاث الأخيرة.
الآيات الأخيرة من سورة الحشر
تبدأ الخواتيم العظيمة التي نتحدث عنها من الآية 22 إلى نهاية السورة (الآية 24)، فدعنا نتلوها معاً بتدبر وفهم:
{هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ۖ هُوَ الرَّحْمَٰنُ الرَّحِيمُ (22) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ ۚ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (23) هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ ۖ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ ۚ يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (24)} [سورة الحشر، الآيات 22-24]
تأمل معي كيف بدأت الآيات واختتمت بتقرير التوحيد الخالص، وسرد الأسماء التي تدل على الملك، والقداسة، والسلامة، والأمن، والهيمنة، والقوة، والخلق، والإيجاد، والتدبير، فهذا الجمع المبارك من الأسماء الحسنى جعل هذه الآيات بمثابة مدرسة متكاملة في التوحيد والتعرف على الله جل جلاله.
فضائل قراءة آخر سورة الحشر في السنة النبوية
عند البحث في فضائل قراءة آخر سورة الحشر، نجد العديد من الأحاديث المروية في كتب السنة، ومن منطلق الأمانة العلمية والدينية، يجب أن نوضح للمسلم ما هو صحيح وثابت، وما هو ضعيف، لأن العبادة مبناها على الاتباع لا الابتداع، ونحن بغنى عن الأحاديث الضعيفة والمبالغات في ظل وجود الأجر العظيم الثابت لعموم قراءة القرآن الكريم.
حديث معقل بن يسار رضي الله عنه
هو أشهر حديث يستدل به الناس عند الحديث عن فضائل قراءة آخر سورة الحشر، فقد روى الإمام الترمذي وغيره عن معقل بن يسار رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من قال حين يصبح ثلاث مرات: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، وقرأ ثلاث آيات من آخر سورة الحشر، وكل الله به سبعين ألف ملك يصلون عليه حتى يمسي، وإن مات في ذلك اليوم مات شهيداً، ومن قالها حين يمسي كان بتلك المنزلة).
هذا الحديث اختلف فيه علماء الجرح والتعديل، فقد أخرجه الترمذي وقال عنه: “حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه”، ولكن عند التدقيق في أسانيده، ضعفه جماعة من كبار المحدثين؛ ومنهم الإمام النووي في “الأذكار”، والشيخ الألباني في “ضعيف الجامع” و”ضعيف الترمذي”، وغيرهم، وذلك لعلل في إسناده (وجود راوٍ يُدعى خالد بن طهمان، وقد تغير حفظه واختلط في آخر
ووفقاً لقواعد أهل السنة والجماعة، يجوز لبعض المسلمين العمل بالأحاديث الضعيفة في “فضائل الأعمال” بشروط وضوابط، منها ألا يكون الضعف شديداً، وألا يُعتقد ثبوته جزمًا عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأن يكون للعمل أصل صحيح في الدين (وهنا الأصل هو قراءة القرآن وذكر الله)، لذلك من قرأها رجاء هذا الثواب دون الجزم بالثبوت الفعلي للحديث فلا حرج عليه، لكن لا ينبغي بناء عقيدة أو حكم فقهي ملزم عليها.
حديث أبي أمامة رضي الله عنه
روي عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “مَن قرَأَ خاتِمَ سورةِ الحشرِ فمات، أوجَبَ، ومَن قرَأَها حين يصبِحُ فمات، أوجَبَ”.
يندرج هذا الحديث أيضاً تحت الأحاديث الضعيفة الإسناد التي لم تصل إلى درجة الصحة أو الحسن التي تُبنى عليها الأحكام المستقلة.
اشتمال الآيات على اسم الله الأعظم
ذكر بعض أهل العلم أن من فضائل قراءة آخر سورة الحشر أنها قد تكون مشتملة على اسم الله الأعظم الذي إذا دُعي به أجاب وإذا سُئل به أعطى.
فقد ورد في بعض الآثار والأحاديث (التي في أسانيدها مقال أيضاً) أن اسم الله الأعظم موجود في آيات من سورة الحشر، أو أنها السور التي تحتوي على الأسماء والصفات العليا، وبغض النظر عن ثبوت النص بخصوص سورة الحشر تحديداً، فإن قراءة هذه الأسماء (الله، الرحمن، الرحيم، الملك، القدوس…) والتوسل بها إلى الله تعالى في الدعاء هو عمل مشروع بنص القرآن الكريم: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ فَادْعُوهُ بِهَا}.
الفضائل الإيمانية والتدبرية لأواخر سورة الحشر
إذا تجاوزنا الخلاف الحديثي في الأحاديث المخصصة للثواب المادي (كالسبعين ألف ملك أو الموت على الشهادة)، فإننا نقف أمام فضائل قراءة آخر سورة الحشر الثابتة بالقرآن الكريم وبأصول الشريعة العامة، وهي فضائل لا تقل عظمة بل هي جوهر العبادة، وإليك تفصيل هذه الفضائل:
تحقيق كمال التوحيد والتعرف على الله
إن أعظم علم يتعلمه الإنسان هو العلم بالله سبحانه وتعالى وبأسمائه وصفاته، وآيات سورة الحشر توفر للقارئ جرعة إيمانية مكثفة في التوحيد؛ فعندما يكرر المسلم: {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ}، يترسخ في قلبه أنه لا معبود بحق إلا الله، وتتلاشى من قلبه المخاوف من المخلوقين، ويتعلق قلبه بالخالق وحده.
نيل أجر تلاوة القرآن الكريم العام
لا تنسَ عزيزي القارئ أن كل حرف تقرؤه من سورة الحشر بحسنة، والحسنة بعشر أمثالها، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (لا أقول الم حرف، ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف)، فمن قائل إن فضائل قراءة آخر سورة الحشر تقتصر على الأحاديث الضعيفة فقد غفل عن الأجر العظيم الثابت لكل آية وحرف في كتاب الله تبارك وتعالى.
العيش في رحاب أسماء الله الحسنى
تضم هذه الآيات نحو 15 اسماً من أسماء الله الحسنى، وهي:
-
(الله) العلم على الذات الإلهية المستحقة للعبادة.
-
(الرحمن) ذو الرحمة الواسعة التي وسعت كل شيء.
-
(الرحيم) ذو الرحمة الواصلة للمؤمنين.
-
(الملك) المتصرف في الأكوان بلا منازع.
-
(القدوس) الطاهر المنزه عن كل عيب ونقص.
-
(السلام) السالم من العيوب، ومفيض السلام على خلقه.
-
(المؤمن) المصدق لرسله، والواهب الأمن لعباده.
-
(المهيمن) الرقيب والمسيطر على كل شيء، المطلع على الخفايا.
-
(العزيز) القوي الذي لا يُغلب.
-
(الجبار) الذي يجبر كسر القلوب، وينفذ أمره في خلقه بالقدرة.
-
(المتكبر) الذي تعاظم عن السوء والظلم، وله الكبرياء في السماوات والأرض.
-
(الخالق) الموجد للأشياء من العدم على غير مثال سابق.
-
(البارئ) المميز للمخلوقات وفصل بعضها عن بعض بالأشكال والخواص.
-
(المصور) الذي أعطى كل مخلوق صورته الخاصة وحليته البديعة.
-
(الحكيم) الذي يضع الأمور في مواضعها الصحيحة بعلم وإتقان.
إن من فضائل قراءة آخر سورة الحشر بتدبر، أن يمتلئ قلبك بمحبة الله وهيبته وخشيته ورجائه عندما تمر على هذه الأسماء العميقة، وهذا هو روح الإيمان.
مقارنة بين الأحاديث الواردة في فضائل أواخر الحشر
كيف تستفيد عملياً من قراءة أواخر سورة الحشر؟
حتى لا تكون قراءتنا مجرد لقلقة لسان، وحتى نجني فضائل قراءة آخر سورة الحشر الحقيقية، إليك هذه الخطوات العملية لتطبيقها في حياتك اليومية:
-
القراءة بتمهل وتدبر، فلا تسرد الآيات سريعاً لمجرد إنهاء القراءة، وقف عند كل اسم من أسماء الله الحسنى، وفكر في أثره على حياتك، فعندما تقول “الرحيم” استشعر رحمته بك، وعندما تقول “الجبار” اسأله أن يجبر خاطرك وكسرك.
-
تضمينها في الأذكار اليومية، فيمكنك قراءتها في الصباح والمساء ضمن أذكارك المعتادة، بنية التقرب إلى الله بذكر أسمائه وصفاته، والتماساً للبركة ونيل أجر تلاوة القرآن.
-
الدعاء بها بعد الانتهاء من قراءة الآيات، استثمر هذه الحالة الإيمانية العالية وادعُ الله بما تشاء، متوسلاً إليه بهذه الأسماء العظيمة التي تلوتها للتو.
-
العمل بمقتضى الأسماء، فإذا علمت أن الله هو “المهيمن” و”عالم الغيب والشهادة”، فراقبه في خلواتك وحركاتك وسكناتك، وإذا علمت أنه “السلام”، فكن مِفتاحاً للسلام والخير لمن حولك.
الأسئلة الشائعة حول فضائل قراءة آخر سورة الحشر
هل قراءة آخر سورة الحشر 7 مرات تقضي الحاجة؟
لم يرد في السنة النبوية الصحيحة تخصيص قراءة أواخر سورة الحشر بسبع مرات أو بعدد معين لقضاء الحوائج، وقضاء الحوائج يكون بالدعاء، والتوسل إلى الله بالأعمال الصالحة (ومنها قراءة القرآن عموماً)، لكن تقييد سورة معينة بعدد محدد دون دليل شرعي صحيح يُعد من الأمور المحدثة التي ينبغي تجنبها، والأفضل القراءة دون التزام بعدد لم يثبت.
هل يصح أن من مات بعد قراءتها يموت شهيداً؟
كما أسلفنا في العرض الحديثي، هذا ورد في حديث معقل بن يسار، وهو حديث ضعيف عند المحققين من أهل العلم كالإمام النووي والشيخ الألباني، وبالتالي لا يمكننا الجزم والقطع بأن من مات بعد قراءتها يكون شهيداً، ولكن نرجو للمسلم الذي يداوم على ذكر الله ويتوفاه الله على ذلك أن يكون في حسن خاتمة وبشرى خير.
هل هناك سور أخرى ثبتت فضائلها بشكل أصح من سورة الحشر؟
نعم، هناك سور وآيات كثيرة ثبتت فضائلها بأحاديث صحيحة صريحة في أعلى درجات الصحة، مثل:
-
سورة الفاتحة أعظم سورة في القرآن الكريم، وهي رقية شفاء.
-
آية الكرسي أعظم آية في القرآن، من قرأها دبر كل صلاة لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت، وهي حرز من الشيطان في النوم.
-
أواخر سورة البقرة: (الآيتان الأخيرتان)، من قرأهما في ليلة كفتاه.
-
سورة الإخلاص والمعوذتين تعدل ثلث القرآن، وتكفي المسلم من كل شيء إذا قرأها ثلاثاً في الصباح والمساء.
-
سورة الملك المنجية من عذاب القبر، تشفع لصاحبها حتى يُغفر له.
لا يعني هذا الزهد في سورة الحشر، بل نقرأ القرآن كله، ولكن من الأهمية بمكان أن يعرف المسلم الفضائل الصحيحة الثابتة ليركز عليها ويعض عليها بالنواجد.
في الختام، بعد أن عرفنا فضائل قراءة آخر سورة الحشر، نخلص إلى أن هذه الآيات هي كنز إيماني عظيم يزخر بأسماء الله الحسنى وصفاته العُلى، وعلى الرغم من أن الأحاديث المخصصة لفضائلها (كاستغفار سبعين ألف ملك) يدور حكمها بين الضعف والغرابة عند علماء الحديث، إلا أن هذا لا ينقص من جلال الآيات وعظم أجر تلاوتها وتدبرها.
إن القيمة الحقيقية لقراءة هذه الآيات تكمن في تجديد الإيمان، وترسيخ عقيدة التوحيد في النفس، والتعرف على الخالق العظيم بأسمائه البديعة، فداوم عزيزي القارئ على تلاوة كتاب الله، واجعل لآخر سورة الحشر نصيباً من تدبرك وفهمك، بعيداً عن الغلو والمبالغات، مستنيراً بهدي النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة الكرام وأهل العلم الثقات.
نسأل الله العلي القدير أن يجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وجلاء أحزاننا، وذهاب همومنا وغمومنا، وأن يرزقنا تلاوته آناء الليل وأطراف النهار على الوجه الذي يرضيه عنا. والحمد لله رب العالمين.
المصدر