شرح حديث لا تحاسدوا ولا تناجشوا وفوائده… الحديث 35 من الأربعين النووية
الحديث الخامس والثلاثون من الأربعين النووية وأبرز فوائده

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
تبحث الأمة الإسلامية دائمًا عن القواعد والأسس التي تضمن لها حياة مجتمعية مستقرة يسودها الحب والوئام، وتتخلص فيها النفوس من الأحقاد والضغائن، ويبرز في هذا السياق حديث لا تحاسدوا ولا تناجشوا ولا تباغضوا باعتباره واحدًا من أهم الجوامع النبوية التي أرست دعائم الأخوة الإسلامية وحمت المجتمع من التفكك والانهيار.
هذا الحديث العظيم، الذي يُصنف بأنه الحديث الخامس والثلاثون من الأربعين النووية يُعد مدرسة أخلاقية متكاملة وقانونًا اجتماعيًا يضبط المعاملات المالية، والنفسية، والاجتماعية بين المسلمين.
سنأخذك في هذا المقال الشامل في رحلة إيمانية وفقهية دقيقة لتقديم شرح حديث لا تحاسدوا ولا تناجشوا ولا تباغضوا مع بيان فوائده وأحكامه المستنبطة من الكتاب والسنة.
متن حديث لا تحاسدوا ولا تناجشوا ولا تباغضوا
قبل البدء في تفصيل الشرح، لابد لنا من الوقوف على نص الحديث الشريف كما رواه الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
“لا تَحاسَدُوا، ولا تَناجَشُوا، ولا تَباغَضُوا، ولا تَدابَرُوا، ولا يَبِعْ بَعْضُكُمْ علَى بَيْعِ بَعْضٍ، كُونُوا عِبادَ اللهِ إخْوانًا، المُسْلِمُ أخُو المُسْلِمِ، لا يَظْلِمُهُ ولا يَخْذُلُهُ، ولا يَكْذِبُهُ ولا يَحْقِرُهُ، التَّقْوَى هاهُنا -وَيُشِيرُ إلى صَدْرِهِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ- بحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أنْ يَحْقِرَ أخاهُ المُسْلِمَ، كُلُّ المُسْلِمِ علَى المُسْلِمِ حَرامٌ، دَمُهُ، ومالُهُ، وعِرْضُهُ” [رواه مسلم].
يعكس هذا النص الشريف منهجًا نبويًا واضحًا في حماية المجتمع المسلم من الأمراض القلبية والسلوكية التي تفتك بالروابط الإنسانية.
تخريج حديث لا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا
هذا الحديث صحيح، أخرجه الإمام مسلم في صحيحه، كتاب “البر والصلة والآداب”، باب “تحريم ظلم المسلم وخذله وإهانته ودمه وعرضه وماله”، رقم الحديث (2564)، من رواية أبي هريرة رضي الله عنه، كما أخرج الإمام البخاري أجزاءً منه في مواضع متفرقة من صحيحه (مثل النهي عن التحاسد والتدابر والبيع على البيع) في كتاب “البيوع” وكتاب “الأدب”.
شرح حديث لا تحاسدوا ولا تناجشوا ولا تباغضوا بالتفصيل
يحتوي حديث لا تحاسدوا ولا تناجشوا ولا تباغضوا على جملة من النواهي والأوامر التي تمثل معالم الطريق لإصلاح الفرد والمجتمع، فدعونا نقسم الحديث إلى محاور رئيسية لفهم دلالاته اللغوية والشرعية.
أولًا.. النهي عن الأمراض القلبية والاجتماعية
-
“لا تحاسدوا”: الحسد هو تمني زوال النعمة عن الغير، سواء كانت هذه النعمة دينية أو دنيوية، وسواء تمنى الحاسد انتقال النعمة إليه أو مجرد زوالها عن أخيه. وقد ذم الله تعالى الحسد في كتابه الكريم فقال:﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَىٰ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ۖ ﴾ [سورة النساء، الآية 54]، والنهي هنا يقتضي التحريم، لأن الحسد اعتراض على قسمة الله وعدله في خلقه، وهو يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب.
-
“ولا تناجشوا”: النجش في اللغة هو الإثارة، وفي الاصطلاح الفقهي والبيوع يعني أن يزيد الشخص في ثمن السلعة المعروضة للبيع وهو لا يريد شراءها، بل يقصد بذلك إما نفع البائع (إذا كان صديقًا له) أو الإضرار بالمشتري ليتورط في دفع ثمن أعلى، وهذا السلوك محرم لما فيه من الخداع والغش، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في موضع آخر: “من غش فليس مني”.
-
“ولا تباغضوا”: البغض هو الكراهية، والنهي هنا يتوجه إلى أسباب البغض؛ أي لا تفعلوا أشياءً تؤدي إلى وقوع البغضاء في قلوبكم تجاه بعضكم البعض. المسلم مطالب بسلامة الصدر، وأن يحب لأخيه ما يحب لنفسه. قال تعالى ممتنًا على عباده بجمع قلوبهم: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [سورة آل عمران، الآية 103].
-
“ولا تدابروا”: التدابر هو أن يولي الرجل أخاه دبره (ظهره) عند اللقاء إعراضًا عنه وهجرًا له، وهو مأخوذ من القطيعة والمقاطعة، وقد حدد النبي صلى الله عليه وسلم مدة الهجر المسموح بها في حالات الخلاف البشري الطبيعي بقوله: “لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث، يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام”.
-
“ولا يبع بعضكم على بيع بعض”: هذه من المعاملات المالية المفسدة للمودة، وصورتها أن يتفق بائع ومشتري على سعر سلعة معينة ويتركن المشتري للبيع، فيأتي بائع آخر ويقول للمشتري: “افسخ هذا البيع وأنا أبيعك مثله بأرخص، أو أفضل منه بنفس الثمن”، وهذا يزرع الضغينة والعداوة بين التجار والناس.
ثانيًا.. الأمر بالأخوة وحقوق المسلم على المسلم
بعد أن نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن المفاسد، انتقل إلى بناء البديل الإيجابي فقال: “وكونوا عباد الله إخوانًا”، وهي دعوة صريحة لاكتساب أسباب الأخوة والتعامل بمقتضاها، ثم فصل هذه الحقوق بقوله: “المسلم أخو المسلم”:
-
“لا يظلمه”: الظلم ظلمات يوم القيامة، ويشمل الظلم في الدم، أو المال، أو العرض.
-
“ولا يخذله”: الخذلان هو ترك النصرة والإعانة وقت الحاجة، فإذا استنصرك أخوك في حق وجب عليك نصرته ومؤازرته بما تستطيع، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “انصُر أخاكَ ظالمًا أو مظلومًا ، قالوا: يا رسولَ اللَّهِ، هذا ننصرُهُ مظلومًا فَكيفَ ننصرُهُ ظالمًا؟ قال: تمنعُهُ من الظُّلم، فذلكَ نصرٌ لهُ”.
-
“ولا يكذبه”: بفتح الكاف وتشديد الذال (لا يخبره بالكذب)، أو بضم الكاف وسكون الذال (لا يتهمه بالكذب في حديثه)، وكلاهما منافٍ للأخوة.
-
“ولا يحقره”: الاستهانة بالمسلم وازداؤه خطيئة كبرى، لأن قيمة الإنسان بإيمانه وتقواه لا بنسبه أو ماله.
ثالثًا.. معيار التفاضل الحقيقي (التقوى)
أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى صدره ثلاث مرات قائلاً: “التقوى هاهنا”، وفي هذه الإشارة لفتة بليغة إلى أن مدار القبول عند الله تعالى هو ما وقر في القلب من خشية الله وإخلاص العمل له، وليس بالمظاهر الخارحية، وهذا يتطابق تمامًا مع الآية القرآنية: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [سورة الحجرات، الآية 13].
ثم أكد على خطورة الكبر والتعالي بقوله: “بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم”؛ أي يكفي الإنسان من الإثم والشر والهلاك أن ينظر إلى أخيه المسلم بعين النقص والازدراء.
فوائد حديث لا تحاسدوا ولا تناجشوا ولا تباغضوا
إن استخراج القواعد التربوية والعملية من الحديث الخامس والثلاثون من الأربعين النووية يعيننا على تطبيق السنة النبوية في حياتنا اليومية، ومن أبرز فوائد حديث لا تحاسدوا ولا تناجشوا ولا تباغضوا:
-
حرمة الدماء والأموال والأعراض، حيث اختتم الحديث بقاعدة شرعية قطعية (كل المسلم على المسلم حرام: دمه، وماله، وعرضه)، وهي ذات القاعدة التي أعلنها النبي في خطبة الوداع، مما يدل على محوريتها في التشريع الإسلامي.
-
سد الذرائع المؤدية للعداوة، فالشريعة الإسلامية لم تحرم الأخلاق السيئة فقط، بل حرمت المعاملات المالية (كالنجش والبيع على البيع) لأنها تؤدي إلى إيغار الصدور ونشر الأحقاد.
-
العناية بأعمال القلوب، بالتأكيد على أن القلب هو مستقر التقوى ومحرك الجوارح، فإذا صلح القلب بالتقوى سلمت الجوارح من الحسد والبغض والظلم.
-
ترسيخ مفهوم العدالة المجتمعية، بتوجيه المسلمين إلى التكافل ونصرة المظلوم وعدم خذلانه، مما يساهم في بناء مجتمع قوي متماسك كالبنيان المرصوص.
-
التحذير الشديد من الكبر، ببيان أن تحقير المسلم ذنب عظيم بحد ذاته وكافٍ لإهلاك العبد.
جدول تلخيص المنهيات والواجبات في الحديث
الأسئلة الشائعة حول الحديث الخامس والثلاثون من الأربعين النووية
ما الفرق بين الحسد والغبطة؟
الحسد هو تمني زوال النعمة عن صاحبها وهو محرم، أما الغبطة (وتسمى أحيانًا المنافسة المشروعة) فهي أن تتمنى أن يكون لك مثل ما لغيرك من النعم (كالمال أو العلم) دون أن تزول النعمة عن الطرف الآخر، وهو أمر مشروع ومحمود في طاعة الله، كما قال صلى الله عليه وسلم: “لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالاً فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها”.
كيف يمكن علاج الحسد والبغض في القلب؟
يكون العلاج باللجوء إلى الله والدعاء بسلامة الصدر، وتدريب النفس على حب الخير للآخرين، وتذكر أن الأرزاق بيد الله وحده، كذلك فإن إفشاء السلام وتقديم الهدية من أعظم الأسباب التي تذهب وحر الصدر وتورث المحبة، لقوله صلى الله عليه وسلم: “أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم”.
ما معنى “التقوى هاهنا”؟
معناها أن الإيمان الحقيقي والخوف من الله يبدأ من القلب ويستقر فيه، فإذا خلصت النية وصح القصد ظهرت آثار ذلك على الجوارح بالالتزام بالأوامر واجتناب النواهي، فلا ينبغي لشخص أن يدعي الصلاح وهو يسيء معاملة المسلمين ويحتقرهم.
في الختام، وبعد أن تعرفنا سويًا على شرح حديث لا تحاسدوا ولا تناجشوا ولا تباغضوا، ندرك تمامًا أن هذا الحديث الشريف هو دستور شامل للحياة وبناء العلاقات الإنسانية على أسس متينة من التقوى، والعدل، والمحبة المتبادلة، وأن تطبيق ما جاء في الحديث الخامس والثلاثون من الأربعين النووية كفيل بنقل المجتمعات من التشتت والنزاع إلى الطمأنينة والأخوة الصادقة.
نسأل الله تعالى أن يطهر قلوبنا من الحسد والبغضاء، وأن يجعلنا عبادًا مخلصين متآخين في جلاله، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
شاركنا برأيك في التعليقات: كيف ترى أثر تطبيق هذا الحديث الشريف على تعاملاتنا اليومية في منصات التواصل الاجتماعي؟
المصدر













