
يُعد يوم عاشوراء من الأيام العظيمة التي خصَّها الله تعالى بمكانة خاصة في التاريخ الإسلامي، وقد ارتبط هذا اليوم بعبادة جليلة هي الصيام، ومع اقتراب شهر الله المحرم من كل عام يتكرر سؤال مهم لدى المسلمين: لماذا نصوم عاشوراء؟ وما الحكمة من هذا الصيام؟ وما فضله؟ وهل وردت أدلة صحيحة من القرآن والسنة تبين مكانته؟
إن الإجابة عن سؤال لماذا نصوم عاشوراء لا تقتصر على معرفة حكم فقهي فحسب، بل تمتد إلى فهم معاني إيمانية عظيمة تتعلق بالشكر لله تعالى، والاقتداء بالأنبياء، وتعظيم شعائر الله، واتباع سنة النبي ﷺ.
سنعرض في هذا المقال بالتفصيل سبب صيام عاشوراء، وفضله، والأحاديث الصحيحة الواردة فيه، وكيفية صيامه، والأخطاء المنتشرة حوله، مع الاعتماد على الأدلة الثابتة من القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة بعيدًا عن المبالغات والقصص التي لا أصل لها.
ما هو يوم عاشوراء؟
يوم عاشوراء هو اليوم العاشر من شهر محرم، وهو أول شهور السنة الهجرية وأحد الأشهر الحرم التي عظَّمها الله تعالى.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ [سورة التوبة، الآية 36].
وقد ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: «السنة اثنا عشر شهرًا منها أربعة حرم: ثلاث متواليات ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان».
ويأتي عاشوراء في هذا الشهر المبارك، ولذلك اجتمع له فضل الزمان وفضل العبادة.
لماذا نصوم عاشوراء؟ القصة الكاملة والسبب الشرعي
السبب الرئيسي والمباشر الذي يجعلنا نطرح سؤال لماذا نصوم عاشوراء يعود إلى حدث تاريخي عظيم غيَّر مجرى التاريخ، وهو نصرة الحق على الباطل، ولنفهم القصة كاملة يجب أن نعود بالزمن إلى عهد النبي محمد ﷺ عند هجرته إلى المدينة المنورة.
عندما هاجر الرسول ﷺ من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة، وجد أن اليهود الذين يسكنون المدينة يصومون يوماً محدداً من السنة، وهو اليوم العاشر من شهر المحرم، ووهنا تبدأ المرجعية الشرعية الموثقة للحديث النبوي الشريف.
في الصحيحين (البخاري ومسلم)، عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: “قَدِمَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ المَدِينَةَ فَرَأَى اليَهُودَ تَصُومُ يَومَ عَاشُورَاءَ، فَقالَ: ما هذا؟ قالوا: هذا يَوْمٌ صَالِحٌ هذا يَوْمٌ نَجَّى اللَّهُ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِن عَدُوِّهِمْ، فَصَامَهُ مُوسَى، قالَ: فَأَنَا أَحَقُّ بمُوسَى مِنكُمْ، فَصَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ”.
إذن، الإجابة المباشرة والأساسية عن سؤال لماذا نصوم عاشوراء هي شُكر لله عز وجل على نجاة نبي الله موسى عليه السلام وبني إسرائيل من بطش وفرعون وجنوده.
إنها ذكرى معجزة انفلاق البحر، حيث تحول البحر المتلاطم إلى طرق يابسة مر عبرها المستضعفون بأمان، بينما أطبق الله الماء على فرعون المستكبر وجيشه ليكونوا آية للعالمين.
قال تعالى في سورة يونس مخلداً هذه الذكرى: “وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ”.
وعندما قال النبي ﷺ هذه العبارة الخالدة، أسس لمفهوم عقدي عميق جداً؛ فالأنبياء جميعاً إخوة، ودينهم واحد وهو التوحيد، والمسلمون هم أولى الناس باتباع أنبياء الله وتعظيم أيام الله لأنهم يؤمنون بجميع الرسل دون تفريق، وصيام المسلمين لهذا اليوم هو تأكيد على الرابطة الإيمانية الممتدة عبر العصور بين جميع الأنبياء، وليس مجرد تقليد عابر.
الحكمة من صيام يوم عاشوراء
إذا تأملنا النصوص الشرعية وجدنا أن صيام عاشوراء يحمل حكمًا عظيمة كثيرة، منها:
شكر الله على نعمه
من أهم الحكم المستفادة من عاشوراء أن المسلم يتعلم شكر الله تعالى على نعمه، فموسى عليه السلام صام شكرًا لله، والنبي ﷺ صام شكرًا لله، والمسلم يصوم اقتداءً بهما، وهذا يعلم المؤمن أن النعم تستوجب الشكر، وأن من أعظم صور الشكر الطاعة والعبادة.
الاقتداء بالأنبياء والصالحين
صيام عاشوراء يربط المسلم بسلسلة الأنبياء الممتدة عبر التاريخ، فعندما يصوم المسلم هذا اليوم فإنه يستشعر أنه يتبع هدي موسى عليه السلام وهدي محمد ﷺ، وهذا يزيد المحبة للأنبياء والاقتداء بهم.
تعظيم شعائر الله
من مقاصد الشريعة تعظيم الأيام الفاضلة والمواسم المباركة.
قال تعالى: ﴿وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [سورة الحج، الآية 32].
وصيام عاشوراء من صور تعظيم ما عظَّمه الله ورسوله.
تربية النفس على الطاعة
الصيام مدرسة إيمانية يتدرب فيها المسلم على الصبر والانضباط ومراقبة الله، ولهذا فإن صيام عاشوراء فرصة عظيمة لتجديد الإيمان وتقوية الصلة بالله تعالى.
فضل صيام يوم عاشوراء في السنة النبوية
بعد أن عرفنا لماذا نصوم عاشوراء من الناحية التاريخية والسببية، نأتي الآن إلى الجانب التحفيزي والتربوي، وهو الفضل العظيم الذي أعده الله سبحانه وتعالى لمن يصوم هذا اليوم احتساباً للأجر.
لم يترك لنا النبي ﷺ أمراً فيه خير إلا ودلنا عليه، وقد رغب ترغيباً شديداً في صيام هذا اليوم لما له من أجر يغسل ذنوب عام كامل.
تكفير ذنوب السنة الماضية
الأجر الأعظم الذي يناله المسلم عند صيامه لعاشوراء هو تكفير السيئات والذنوب التي ارتكبها طوال العام الفائت، وفي هذا السياق ثبت في صحيح مسلم عن أبي قتادة الحارث بن ربعي رضي الله عنه، أن النبي ﷺ سُئل عن صوم يوم عاشوراء، فقال: “صِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ، أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ”.
ياله من فضل كريم وعطاء رباني جزيل! بعمل يسير وهو صيام نهار واحد، يمحو الله سبحانه وتعالى أخطاء وتقصير 365 يوماً، ولكن هنا يجب أن نتوقف مع ملحوظة فقهية هامة يذكرها العلماء دائماً:
الصيام والعبادات المكفرة للذنوب تُكفر “الكبائر” أم “الصغائر”؟ ذهب جمهور العلماء إلى أن صيام عاشوراء أو عرفة يكفر الذنوب والخطايا الصغائر (وهي اللمم والتقصير في العبادات اليومية)، أما الكبائر (مثل أكل مال اليامى، عقوق الوالدين، الغيبة والنميمة الكبرى، وربا..) فإنها تحتاج إلى توبة صادقة خاصة بها، ورد الحقوق إلى أصحابها إن كانت متعلقة بالعباد، ومع ذلك فضل الله واسع وقد يغمر العبد برحمته فيكفر عنه كل شيء بصدق نيته.
مراحل تشريع صيام عاشوراء في الإسلام
يمثل صيام عاشوراء قصة تدرج تشريعي فريدة في الفقه الإسلامي، ولفهم لماذا نصوم عاشوراء اليوم كصيام تطوعي وليس فرضاً يجب أن نلقي نظرة على المراحل الأربعة التي مر بها هذا الصيام:
| المرحلة | الوصف الشرعي | التفاصيل الفقهية |
| المرحلة الأولى | الصيام قبل الهجرة (في مكة) | كانت قريش تصوم يوم عاشوراء في الجاهلية، وكان النبي ﷺ يصومه أيضاً في مكة دون أن يأمر الناس به إلزاماً، وكانوا يكسون فيه الكعبة. |
| المرحلة الثانية | الإلزام والوجوب بالمدينة | عندما قدم النبي ﷺ المدينة ورأى اليهود يصومونه، صامه وأمر الناس صراحة بصيامه، حتى كان الصحابة يُصوِّمون فيه أطفالهم الصغار. |
| المرحلة الثالثة | النسخ وتحويله إلى سنة | بعد فرض صيام شهر رمضان في السنة الثانية للهجرة، نُسخ وجوب صيام عاشوراء، وأصبح صياماً تطوعياً مستحباً من شاء صامه ومن شاء تركه. |
| المرحلة الرابعة | استحباب مخالفة أهل الكتاب | في آخر حياة النبي ﷺ، استقر الأمر على استحباب صيام عاشوراء مع ضم اليوم التاسع إليه (تاسوعاء) تمييزاً للمسلمين ومخالفة لليهود. |
وفي المرحلة الثالثة تحديداً، روى البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: “كانَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ تَصُومُهُ قُرَيْشٌ في الجَاهِلِيَّةِ، وكانَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَصُومُهُ، فَلَمَّا قَدِمَ المَدِينَةَ صَامَهُ، وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ، فَلَمَّا فُرِضَ رَمَضَانُ تَرَكَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، فمَن شَاءَ صَامَهُ وَمَن شَاءَ تَرَكَهُ”.
مراتب صيام عاشوراء وكيف تنال الأجر كاملاً؟
يتساءل الكثير من المسلمين عن كيفية صيام هذا اليوم، وهل يجوز إفراده بالصيام أم يجب صيام يوم قبله أو بعده؟ وضع علماء الأمة كالإمام ابن القيم والإمام ابن حجر العسقلاني مراتب واضحة لصيام عاشوراء بناءً على الأحاديث النبوية:
المرتبة الأولى (صيام التاسع والعاشر… الأكمل والأفضل)
وهي المرتبة الأعلى والأكثر استحباباً، وتتحقق بصيام يوم “تاسوعاء” (التاسع من محرم) ويوم “عاشوراء” (العاشر من محرم)، والسبب في ذلك هو رغبة النبي ﷺ في تميز الأمة الإسلامية ومخالفة أهل الكتاب.
فقد روى عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله ﷺ حين صام يوم عاشوراء وأمر بصيامه، قالوا: يا رسول الله، إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى! فقال رسول الله ﷺ: “فَإِذَا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ إِنْ شَاءَ اللهُ صُمْنَا الْيَوْمَ التَّاسِعَ”. قال: فلم يأت العام المقبل حتى توفي رسول الله ﷺ. (رواه مسلم).
وفي رواية أخرى: “لئن بقيتُ إلى قابلٍ لأصومنَّ التاسع”.
المرتبة الثانية (صيام العاشر والحادي عشر)
في حال فات المسلم صيام اليوم التاسع لأي ظرف طارئ (كسفر أو مرض أو نسيان)، يستحب له صيام اليوم العاشر ومعه اليوم الحادي عشر من شهر محرم، وذلك أيضاً من باب تحقيق المخالفة وعدم إفراد العاشر لوحده بالصيام.
المرتبة الثالثة (صيام الأيام الثلاثة… التاسع والعاشر والحادي عشر)
يرى بعض العلماء (مثل الإمام ابن سيرين وبعض المالكية والشافعية) أن صيام الأيام الثلاثة معاً هو مرتبة ممتازة، تضمن للمسلم إدراك يوم عاشوراء بيقين تام في حال وقوع أي خطأ في رؤية الهلال وبداية الشهر، فضلاً عن كسب أجر صيام ثلاثة أيام من الشهر.
المرتبة الرابعة (إفراد يوم عاشوراء بالصيام… العاشر فقط)
هل يجوز صيام يوم عاشوراء وحده؟ نعم، يجوز شرعاً صيام اليوم العاشر وحده ولا إثم على من فعل ذلك، ويحصل الصائم على أجر تكفير السنة الماضية كاملاً إن شاء الله، ومع ذلك يرى جمهور الفقهاء أن إفراده يعتبر “مكروهاً كراهة تنزيهية” (أي ترك للأفضل والأولى)، لأن المسلم يفوِّت بذلك تطبيق السنة النبوية القاضية بمخالفة غير المسلمين.
حكم صيام يوم عاشوراء إذا صادف يوم جمعة أو سبت
من الأسئلة الفقهية الشائعة التي تتكرر سنوياً بين الصائمين: ما الحكم إذا وافق يوم عاشوراء يوم جمعة أو يوم سبت؟ وهل يجوز صيام عاشوراء منفصلاً في هذه الحالة؟
أجاز جمهور العلماء صيام عاشوراء إذا صادف يوم جمعة أو سبت، ولا كراهة في ذلك إطلاقاً.
والنهي الوارد في السنة النبوية عن إفراد يوم الجمعة بالصيام، أو النهي عن صيام يوم السبت إلا فيما افتُرض على المسلم، هو نهي مخصص لحالة “التعظيم الخاص” لهذا اليوم لذاته، أو صيامه تطوعاً مطلقاً دون سبب.
أما إذا وافق يوم الجمعة أو السبت يوماً فاضلاً وله سبب شرعي مستقل (مثل يوم عرفة، يوم عاشوراء، أو الأيام البيض)، فإن الصيام هنا يكون للسبب (وهو عاشوراء) وليس لكونه يوم جمعة أو سبت، وللخروج من الخلاف وتجنب أي شبهة، يُنصح دائماً بصيام اليوم التاسع معه.
أخطاء شائعة في يوم عاشوراء
تحويل اليوم إلى موسم أحزان أو احتفالات مبتدعة، فلم يأمر النبي ﷺ بشيء من ذلك، وإنما المشروع هو الصيام والذكر والطاعة.
الأسئلة الشائعة حول صيام عاشوراء
هل يجوز صيام يوم عاشوراء بنية قضاء ما فات من رمضان؟
يجوز عند جمهور الفقهاء جمع نية صيام عاشوراء مع نية قضاء أيام من رمضان، ويُعرف هذا فقهياً بـ (التشريك في النية)، ولكن الأفضل والأكمل للأجر، أن يصوم المسلم القضاء أولاً بنية منفصلة، ثم يصوم عاشوراء نافلة مستقلة، خروجاً من الخلاف وحرصاً على تمام الأجرين.
هل يصح صيام عاشوراء لمن لم يصم تاسوعاء؟
نعم، يصح تماماً. من لم يتمكن من صيام اليوم التاسع (تاسوعاء) لعذر أو لعدم علمه، يجوز له صيام اليوم العاشر (عاشوراء) وحده، وينال أجر تكفير السنة الماضية بإذن الله، وإن استطاع صام الحادي عشر معه.
هل صيام عاشوراء يكفر كبائر الذنوب؟
المعتمد عند علماء المذاهب الأربعة أن صيام عاشوراء يكفر الصغائر فقط. الكبائر كحقوق العباد والذنوب العظيمة تتطلب توبة خاصة شروطها: الإقلاع عن الذنب، الندم، والعزم على عدم العودة، ورد الحقوق لأهلها.
في الختام، نكون قد أجبنا بشكل مفصل عن السؤال الجوهري: لماذا نصوم عاشوراء؟ وعرفنا أن هذا اليوم هو يوم نصر، ويوم شكر، ويوم تجلَّت فيه قدرة الله ورحمته بأوليائه الصالحين.
إن صيام يوم عاشوراء هو محطة إيمانية دورية للتزود بالتقوى، ومسح ما علق بالقلوب من ذنوب وخطايا على مدار عام كامل، فاحرص أخي المسلم، وأختي المسلمة، على اغتنام هذه الفرصة العظيمة، وصيام هذا اليوم (وتقديم التاسع معه إن أمكن)، وحث الأهل والأبناء على ذلك، لعلنا نفوز برضا الله وغفرانه.
شارك هذا المقال مع عائلتك وأصدقائك ليعرفوا لماذا نصوم عاشوراء، فالدال على الخير كفاعله. نسأل الله أن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال، وأن يجعلنا من متبعي سنة نبيه المصطفى ﷺ.
المصدر













