إعرف دينكعبادات

ما هي صلاة الشروق وكيف تصلي؟

الدليل الكامل لصلاة الشروق... وقتها وأهميتها وكيفية صلاتها

ما هي صلاة الشروق وكيف تصلي؟

إن السعي للتقرب من الله عز وجل هو الغاية الأسمى التي يرجوها كل مسلم في حياته اليومية، ومن بين أعظم الأوقات التي تفتح فيها أبواب البركات، ويتجلى فيها لطف الخالق بعباده، هو وقت البكور؛ ذلك الوقت المبارك الذي تشرق فيه الشمس لتعلن عن بداية يوم جديد مليء بالفرص والعبادات، وفي هذا الوقت تحديدًا توجد عبادة جليلة يغفل عنها الكثيرون، وهي صلاة الشروق.

سنتعرف بالتفصيل في هذا الدليل الشرعي على ماهية صلاة الشروق، وكيفية أدائها خطوة بخطوة، مع تبيان الفروق الفقهية بينها وبين النوافل الصباحية الأخرى، مستندين بالكامل إلى صحيح الوحيين.

ما هي صلاة الشروق؟

في الاصطلاح الفقهي في كتب المذاهب الأربعة، لا يوجد صلاة مستقلة بذاتها تُسمى صلاة الشروق كعبادة منفصلة عن صلاة الضحى، وإنما صلاة الشروق هي نفسها صلاة الضحى إذا صُليت في أول وقتها.

والشروق في اللغة يعني بزوغ الشمس وطلوعها من المشرق، أما في الاصطلاح فصلاة الشروق هي ركعتا النافلة اللتان يصليهما المسلم بعد أن تطلع الشمس وترتفع في السماء بمقدار رمح (أي بعد زوال وقت النهي عن الصلاة)، ولذلك يُطلق عليها العلماء يطلقون أحياناً “صلاة الإشراق” بناءً على وقت أدائها، وهي بداية صلاة الضحى، حيث يمتد وقت الضحى من هذا الوقت إلى ما قبل صلاة الظهر بدقائق يسيرة.

الأدلة على مشروعية صلاة الشروق من السنة النبوية

ثبتت مشروعية أداء ركعتين في أول وقت الضحى (وهي صلاة الشروق) في السُّنة النبوية المطهرة من خلال أحاديث صحيحة وحسنة رواها أصحاب السنن والمسانيد، ومن أهم هذه الأدلة:

حديث أجر الحجة والعمرة التامة

عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “مَن صلى الغداةَ في جماعةٍ ثم قعد يذكرُ اللهَ حتى تطلعَ الشمسُ، ثم صلى ركعتين كانت له كأجرِ حجةٍ وعمرةٍ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تامةٍ تامةٍ تامةٍ” [رواه الترمذي في سننه، وصححه الألباني].

هذا الحديث هو الأصل الشرعي الذي استند إليه الفقهاء في إثبات الفضل المخصَّص لمن يجمع بين صلاة الفجر في جماعة، والجلوس للذكر، ثم أداء صلاة الشروق ركعتين.

أحاديث الحث على صلاة الضحى في أول وقتها

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: “أَوْصَانِي خَلِيلِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِثَلَاثٍ: صِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَركْعَتَيِ الضُّحَى، وَأَنْ أُوتِرَ قَبْلَ أَنْ أَنَامَ” [متفق عليه]، وبما أن صلاة الشروق هي أول الضحى، فإن هذا الحث يشملها بالتبعية.

حكم صلاة الشروق في الفقه الإسلامي

اتفق فقهاء أهل السنة والجماعة على أن حكم صلاة الشروق هو السُّنَّة المؤكدة والمستحبة ترغيباً شديداً، وتُعد عند الحنفية والمالكية من المندوبات المؤكدة التي يندب للمسلم المحافظة عليها لما فيها من تجديد للعبادة أول النهار، وعند الشافعية والحنابلة هي سنة مستحبة صلاها النبي صلى الله عليه وسلم وأوصى بها أصحابه، ولا يأثم تاركها، لكن يُكره للمسلم تفويتها بغير عذر لما فيها من تضييع لأجر عظيم ثبت في الأحاديث الصحيحة.

وقت صلاة الشروق الدقيق.. متى تبدأ ومتى تنتهي؟

تحديد وقت صلاة الشروق يتطلب معرفة أوقات النهي وأوقات الإباحة التي حددها الشارع بدقة، لتجنب الصلاة في الأوقات المكروهة.

بداية وقت صلاة الشروق

يبدأ وقت صلاة الشروق بعد طلوع الشمس تماماً وارتفاعها في السماء بمقدار رمح، ويُقدَّر هذا الوقت بالفلك والحساب المعاصر بما يتراوح بين 15 إلى 20 دقيقة من موعد الشروق المدون في مواقيت الصلاة.

والسبب في هذا التأخير هو النهي الشرعي الغليظ عن الصلاة وقت بزوغ الشمس؛ لحديث عقبة بن عامر رضي الله عنه: “ثلاثُ ساعاتٍ كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ينهانَا أن نُصلِّي فيهنَّ أو أن نَقبُرَ فيهنَّ موتانَا: حينَ تطلعُ الشمسُ بازغةً حتى ترتفعَ…”. [رواه مسلم].

نهاية وقت صلاة الشروق

ينتهي وقت صلاة الشروق (باعتبارها أول الضحى) قبل أذان الظهر بـ 10 إلى 15 دقيقة، وهو وقت استواء الشمس في كبد السماء (وقت الزوال)، وهو الوقت الثاني من أوقات النهي عن الصلاة.

كيف تصلى صلاة الشروق؟ 

تُصلى صلاة الشروق ركعتين، وصفتها كصفة سائر صلوات النوافل الثنائية سراً، وفيما يلي تفصيل كيفية الصلاة خطوة بخطوة وفق السُّنة النبوية:

الركعة الأولى

  • النية فينوي المصلي بقلبه أداء ركعتي الشروق أو الضحى، ولا يتلفظ بالنية باللسان لأن التلفظ بها لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم.

  • يستقبل القبلة ويقول “الله أكبر” (تكبيرة الإحرام) رافعاً يديه حذو منكبيه أو أذنيه.

  • دعاء الاستفتاح والفاتحة، فيقرأ دعاء الاستفتاح سراً (مثل: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك)، ثم يستعيذ بالله ويبسمل، ويقرأ سورة الفاتحة.

  • يقرأ بعد الفاتحة ما تيسر له من القرآن الكريم، مثل سورة الشمس أو الضحى أو الإخلاص.

  • يركع ويقول “سبحان ربي العظيم” ثلاثاً، ثم يرفع قائلاً “سمع الله لمن حمده”، ثم يسجد سجدتين مطمئنتين يقول في كل سجدة “سبحان ربي الأعلى” ثلاثاً، ويجلس بينهما مطمئناً.

الركعة الثانية

  • يقوم للركعة الثانية مكبراً.

  • يقرأ سورة الفاتحة، ثم يقرأ سورة أخرى قصيرة (مثل سورة الكافرون أو المسد أو غيرهما).

  • يفعل في الركوع والسجود والرفع منهما مثلما فعل في الركعة الأولى تماماً مع المحافظة على الطمأنينة.

  • يجلس بعد السجدة الثانية لقراءة التشهد الأخير والصلاة الإبراهيمية، ثم يسلم عن يمينه وعن شماله قائلاً: “السلام عليكم ورحمة الله”.

شروط تحصيل الأجر الكامل (أجر حجة وعمرة) في صلاة الشروق

يرغب المسلمون في نيل الثواب المذكور في حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، وهو أجر حجة وعمرة تامة، لتفصيل هذا الأجر حدد العلماء بناءً على نص الحديث أربعة شروط متتالية يجب تحقيقها:

  • أداء صلاة الفجر في جماعة للرجال، وبالنسبة للمرأة فصلاتها في بيتها جماعة أو فور الأذان بمفردها يحقق لها نفس الفضل لأن مصلَّاها في بيتها هو الأفضل لها شرعاً.

  • أن يظل المصلي جالساً في نفس المكان الذي صلى فيه الفجر، ولا يخرج منه إلا لحاجة ضرورية مثل انتقاض الوضوء.

  • الاشتغال بالذكر، بأن يشغل العبد وقته بذكر الله عز وجل، مثل قراءة أذكار الصباح، تلاوة القرآن الكريم، الاستغفار، والتسبيح، وتجنب الخوض في أحاديث الدنيا أو تصفح الهواتف لغير ضرورة.

  • صلاة الركعتين بعد الارتفاع، أي بعد أن تشرق الشمس بـ 15 دقيقة، يقوم العبد فيصلي ركعتين بنية صلاة الشروق أو الضحى.

الفوائد والفضائل الإيمانية لصلاة الشروق

تتضمن المحافظة على صلاة الشروق فضائل ومنافع عظيمة تعود على المسلم في دينه وبدنه، ومنها:

أداء صدقة أعضاء الجسد

يحتوي جسم الإنسان على مفصلاً (سُلامى)، ويجب على المسلم تقديم صدقة عن كل مفصل منها يومياً شُكراً لله على نعمة العافية، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن ركعتي الضحى (التي منها صلاة الشروق) تجزئ عن هذه الصدقات كلها، لقوله صلى الله عليه وسلم: “يُصبِحُ على كُلِّ سُلامى مِن أحَدِكُم صَدَقةٌ؛ فكُلُّ تَسبيحةٍ صَدَقةٌ، وكُلُّ تَحميدةٍ صَدَقةٌ، وكُلُّ تَهليلةٍ صَدَقةٌ، وكُلُّ تَكبيرةٍ صَدَقةٌ، وأمرٌ بالمَعروفِ صَدَقةٌ، ونَهيٌ عَنِ المُنكَرِ صَدَقةٌ، ويُجزِئُ مِن ذلك رَكعَتانِ يَركَعُهما مِنَ الضُّحى” [رواه مسلم].

اغتنام بركة البكور

البكور هو أول النهار، وقد دعا النبي صلى الله عليه وسلم لأمته بالبركة فيه فقال: “اللَّهُمَّ بَارِكْ لِأُمَّتِي فِي بُكُورِهَا” [رواه أبو داود]، فالمسلم الذي يبدأ يومه بالصلاة والذكر ترافقه البركة في وقته وعمله ورزقه طوال اليوم.

الفرق بين صلاة الشروق وصلاة الضحى

لتوضيح اللبس المعتاد بين العبادتين، يوضح العلماء الفروق الدقيقة بينهما في الأحكام والميقات من خلال النقاط الفقهية التالية:

  • صلاة الشروق هي جزء من صلاة الضحى، وتحديداً هي صلاة الضحى في أول وقتها، أما صلاة الضحى فهي الاسم العام للنافلة الصباحية كاملة.

  • أفضل وقت لصلاة الشروق هو فور انتهاء وقت النهي (بعد الشروق بـ 15 دقيقة)، أما أفضل وقت لصلاة الضحى فهو عند اشتداد الحر، لقوله صلى الله عليه وسلم: “صَلَاةُ الأوَّابِينَ حِينَ تَرْمَضُ الفِصَالُ” [رواه مسلم]، ومعناه حين تحترق أخفاف الإبل الصغيرة من حرارة الرمل.

  • ترتبط صلاة الشروق بجلوس المسلم في مصلاه بعد صلاة الفجر للذكر حتى تطلع الشمس، أما صلاة الضحى العامة فلا تشترط هذا الجلوس، بل يصليها المسلم ولو استيقظ في ضحى النهار أو صلاها في بيته أو مكتبه.

  • صلاة الشروق المرتبطة بحديث أجر الحجة والعمرة تُصلى ركعتين، أما صلاة الضحى المطلقة فأقلها ركعتان، ولا حد لأكثرها عند جماعة من العلماء، وقيل أكثرها ثماني ركعات.

الأسئلة الشائعة حول صلاة الشروق

هل يجوز صلاة الشروق لمن نام عن صلاة الفجر؟

الحديث الوارد في ثواب الحجة والعمرة مشروط بمن صلى الفجر في جماعة وجلس يذكر الله حتى الشروق، فمن نام عن صلاة الفجر معذوراً، يستيقظ ويصلي الفجر أولاً قضاءً، ثم إذا ارتفعت الشمس يصلي نافلة الضحى وينال أجر الضحى العظيم، ولكنه لا يحصل على الثواب المخصوص المقيد بالجلوس بعد الفجر لعدم تحقق سببه.

هل يجوز الحديث مع الآخرين أثناء الجلوس لصلاة الشروق؟

الأفضل للمسلم الانشغال التام بالذكر والتلاوة، لكن إذا تحدث بكلام يسير لحاجة، أو رد سلاماً، أو أجاب أحداً، فإن ذلك لا يبطل جلوسه ولا يحرمه الأجر إن شاء الله، طالما أن الغالب على وقته هو الاشتغال بذكر الله سبحانه.

ما العمل إذا انتقض الوضوء أثناء الجلوس؟

إذا انتقض وضوء العبد وهو جالس يذكر الله ينتظر وقت صلاة الشروق، فإنه يخرج فوراً ليتوضأ ثم يعود إلى مصلَّاه ليصلي الركعتين، وهذا الخروج للطهارة لا يقطع تتابع الجلوس ولا يحرمه الأجر بفضل الله الواسع، لأن القيام كان لأمر لا بد منه للصلاة.

هل صلاة الشروق تغني عن صلاة الضحى؟

نعم تغني عنها، لأن صلاة الشروق هي أول صلاة الضحى، فإذا صليت ركعتي الشروق، فقد أديت سنة الضحى لهذا اليوم، ولا يشرع لك إعادة صلاة أخرى تسمى صلاة الضحى، وإنما يمكنك زيادة عدد الركعات تطوعاً إن أردت.

في الختام، يتضح من خلال التحقيق الفقهي لنصوص السُّنة النبوية أن صلاة الشروق عبادة عظيمة النفع، يسيرة المؤونة، تمثل أول وقت صلاة الضحى، والمحافظة على هذه الركعات مع الالتزام بالجلوس لذكر الله بعد صلاة الفجر، تعد من التجارات الرابحة مع الله تعالى التي تضمن للمسلم حراسة ليومه، وبركة في رزقه، وأجراً موفوراً يثقل ميزانه يوم القيامة.

ينبغي على المسلم الحريص على دينه أن يجاهد نفسه على اغتنام هذه الأوقات المباركة، وألا يحرم نفسه من الثواب الجزيل المترتب على أداء صلاة الشروق ليكون من الأوابين الذاكرين الله كثيراً والذاكرات.

المصدر

1 ، 2 ، 3 ، 4

زر الذهاب إلى الأعلى
Index