فتاوى عامةفتاوي اسلامية

حكم صيام ليلة الإسراء والمعراج (ليلة 27 رجب)

حكم صيام ليلة الإسراء والمعراج (ليلة 27 رجب)

حكم صيام ليلة الإسراء والمعراج… تعد ليلة الإسراء والمعراج من أعظم المحطات في تاريخ الدعوة الإسلامية، فهي الليلة التي تجاوز فيها النبي صلى الله عليه وسلم حدود الزمان والمكان، ليرى من آيات ربه الكبرى، ومع اقتراب شهر رجب يبرز السؤال الذي يشغل بال ملايين المسلمين “ما هو حكم صيام ليلة الإسراء والمعراج؟”.

هذا المقال ليس مجرد فتوى سريعة، بل هو مرجع بحثي متعمق يستعرض الآراء الفقهية للمذاهب الأربعة، ويحلل الأدلة النقلية والعقلية، ويناقش القواعد الأصولية التي استند إليها العلماء في إجازة أو منع تخصيص هذا اليوم بالصيام.

ولكي نفهم الحكم الشرعي يجب أولاً أن ندرك أن العبادات في الإسلام مبنية على التوقيف، أي لا يُشرع منها إلا ما شرعه الله ورسوله، ومع ذلك هناك مساحة واسعة تسمى فضائل الأعمال والتطوع المطلق هي التي يدور حولها نقاش الفقهاء في صيام 27 رجب.

تحديد ليلة الإسراء والمعراج.. هل هي حقاً 27 رجب؟

من الأمانة العلمية أن نبدأ ببيان تاريخ وقوع هذه المعجزة، واختلف علماء التاريخ والسير في تحديد الليلة بدقة، فذهب الإمام النووي وابن حزم إلى أنها كانت في شهر ربيع الأول، بينما ذهب آخرون إلى أنها في رمضان أو شوال.

أما القول بأنها في ليلة السابع والعشرين من رجب، فهو القول المشهور الذي اختاره جمع كبير من العلماء وجرى عليه عمل الأمة لقرون طويلة، وبناءً على هذا الاستقرار التاريخي يبحث المسلمون عن حكم صيام ليلة الإسراء والمعراج في هذا التاريخ بالتحديد.

التحليل الفقهي لمسألة حكم صيام ليلة الإسراء والمعراج

ينقسم الفقهاء في هذه المسألة إلى اتجاهات رئيسية، سنقوم بتفكيك أدلة كل اتجاه لضمان تقديم صورة واضحة.

اتجاه الاستحباب (جمهور المتأخرين ودار الإفتاء المصرية)

يرى أصحاب هذا الاتجاه أن حكم صيام ليلة الإسراء والمعراج هو الاستحباب والندب، لا لكونه سنة راتبة كصيام عاشوراء، بل لعدة اعتبارات شرعية:

  • عموم فضل الصيام، فالصيام من أفضل القربات، والأصل فيه الإباحة والندب في كل وقت ما لم يرد نهي (كالعيدين).
  • بركة الأشهر الحرم، فشهر رجب من الأشهر الحرم التي يُندب فيها العمل الصالح، وتخصيص يوم منه بعبادة هو زيادة في الخير.

واستندوا إلى ما رواه البيهقي وغيره في فضل الصيام في الأشهر الحرم، وإن كان في بعض أسانيدها ضعف، إلا أنها تندرج تحت قاعدة “العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال”، وهي قاعدة مقبولة عند جمهور الفقهاء بشرط ألا يكون الضعف شديداً وألا يعتقد المكلف الوجوب.

اتجاه المنع أو “البدعة الإضافية” (المدرسة السلفية والمحققون)

يرى فريق آخر من العلماء أن تخصيص يوم 27 رجب بالصيام هو أمر غير مشروع، وحجتهم في ذلك هي “قاعدة الترك”؛ فبما أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصم هذا اليوم، ولم يأمر به، ولم يفعله الصحابة مع عظيم حبهم للنبي وتعظيمهم للمعجزة، فإن فعله يعتبر إحداثاً في الدين، إستنادًا لقول رسول الله “من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد” ( متفق عليه).

ويؤكد هؤلاء أن الصيام عبادة محددة بزمان، وتخصيص الزمان يحتاج إلى دليل خاص، والقول بأن “الصيام خير” كلمة حق أريد بها باطل في هذا الموضع؛ لأن الخير هو اتباع ما جاء به الشرع نصاً وتطبيقاً.

موقف المذاهب الأربعة من صيام شهر رجب

بما أن ليلة الإسراء والمعراج تقع في رجب، فإن حكمها يرتبط ارتباطاً وثيقاً بحكم الصيام في رجب ككل، وإليك تفصيل المذاهب:

المذهب الفقهي حكم الصيام في رجب التعليل الشرعي
الحنفية ندب واستحباب يرون أن الصيام في رجب مستحب، ولا كراهة فيه، وهو من جملة التطوع.
المالكية استحباب مطلق استحبوا صيام رجب كاملاً أو بعضه، ولم يرووا كراهة في تخصيص أيامه.
الشافعية سنة ومستحب أكد الشافعية فضل الصيام في الأشهر الحرم، ورجب أفضلها بعد المحرم.
الحنابلة كراهة الإفراد يكره إفراد رجب بالصيام كاملاً (كي لا يشبه رمضان)، وتزول الكراهة بالفطر في بعضه أو صيام شهر آخر معه.

مناقشة قاعدة “الحديث الضعيف” في هذه المسألة

من أهم النقاط المتعمقة في بحث حكم صيام ليلة الإسراء والمعراج هي كيفية التعامل مع الأحاديث الواردة في هذا اليوم، وهناك أحاديث تروى مثل: “في رجب يوم وليلة، من صام ذلك اليوم وقام تلك الليلة كان كمن صام مائة سنة وقام مائة سنة، وهي لسبع بقين من رجب”.

أجمع نقاد الحديث (كابن حجر وابن الجوزي) على أن هذه الأحاديث واهية ولا تثبت، ولكن يفرق الفقهاء بين:

  • إثبات حكم شرعي (وجوب أو تحريم)، وهذا لا يجوز بالحديث الضعيف اتفاقاً.
  • الترغيب في فضيلة ثابتة الأصل، فبما أن الصيام في أصله عبادة مشروعة ومحبوبة، فإن الحديث الضعيف هنا يعمل به من باب الاستئناس لا التشريع المستقل.
ويجب أن تعلم أن القول بجواز الصيام لا يعني أبداً جواز ابتداع “صلاة مخصوصة” أو “طقوس غريبة” لم ترد في السنة، فالصيام هو إمساك عن المفطرات بنية التقرب لله، وهو عبادة بسيطة وجليلة.

مقارنة بين البدعة الحسنة والبدعة الضلالة في سياق ليلة 27 رجب

يثور جدل كبير حول وصف هذا الصيام بالبدعة، لنفكك هذا المفهوم علمياً:

ما هو المحدث المذموم؟

هو ما أحدث وليس له أصل في الشرع، أما صيام ليلة الإسراء والمعراج، فله أصل وهو جنس الصيام، ومن هنا قال العز بن عبد السلام إن البدع تنقسم لأحكام تكليفية خمسة، منها ما هو مندوب.

الجدول التحليلي لأنواع العبادات في ليلة 27 رجب:

  • الذكر والدعاء

مستحب لأن ذكر الله مطلوب في كل وقت وحين.

العبادة الوصف الشرعي السبب
الصيام المطلق مباح / مستحب لاندراجه تحت عموم التطوع.
صلاة الرغائب مكروهة / مبتدعة لأن صفاتها مخترعة ولم ترد مطلقاً.

كيف تخرج من الخلاف حول حكم صيام ليلة الإسراء والمعراج؟

للمسلم الحريص على اتباع السنة والابتعاد عن الشبهات، هناك مخارج فقهية ذكية تجعله ينال الأجر ويبتعد عن لغط البدعة:

  • نية صيام داود، بأن يصوم يوماً ويفطر يوماً، فيوافق 27 رجب صياماً طبيعياً له.
  • صيام الاثنين والخميس، وإذا وافق 27 رجب أحد هذين اليومين، فالصيام هنا سنة مؤكدة بيقين.
  • صيام الأيام البيض، فصيام 13، 14، 15 من رجب هو سنة ثابتة، ومن صامها فقد نال بركة الشهر دون الدخول في خلاف الـ 27.
  • نية القضاء، فمن كان عليه أيام من رمضان، فصيامها في رجب (وفي يوم 27 منه) يجمع بين إبراء الذمة وبين استغلال بركة الزمان.

خلاصة حكم صيام ليلة الإسراء والمعراج

لا يُشرع تخصيصها بالصيام، ولم يثبت عن النبي ﷺ ولا عن الصحابة رضي الله عنهم أنهم صاموا يومها أو خصُّوه بعبادة معينة، وقد قرر أهل العلم أن تخصيص يوم السابع والعشرين من رجب بالصيام بدعة؛ لأن العبادات توقيفية لا تُشرع إلا بدليل صحيح.
قال الإمام ابن تيمية رحمه الله: «لم يثبت عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه أنهم خصُّوا ليلة الإسراء بشيء من العبادات»، وقالت اللجنة الدائمة للإفتاء: «لا يجوز تخصيص ليلة الإسراء والمعراج أو يومها بعبادة من صيام أو قيام؛ لعدم ثبوت ذلك شرعًا».
أما من صام هذا اليوم ضمن صيامٍ معتاد كصيام الاثنين والخميس أو الأيام البيض، فلا حرج عليه؛ لأنه لم يخصه باعتقاد فضلٍ خاص.

حكم صيام ليلة الإسراء والمعراج ابن عثيمين

ذهب الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله إلى أن تخصيص ليلة الإسراء والمعراج أو يومها بالصيام لا أصل له في الشرع، وهو من البدع المحدثة؛ لأن النبي ﷺ لم يخص هذه الليلة ولا يومها بعبادة، ولم يفعل ذلك الصحابة رضي الله عنهم مع شدة حرصهم على الخير.
وقال رحمه الله بمعناه: «تخصيص ليلة الإسراء والمعراج بقيام، أو يومها بصيام، بدعة؛ لأنه لم يثبت عن النبي ﷺ، وكل عبادة لم يشرعها رسول الله ﷺ فهي مردودة».
وأكد أن العبادات توقيفية، فلا يجوز إحداث عبادة أو تفضيل زمان بعمل مخصوص إلا بدليل صحيح من الكتاب أو السنة.

الدروس التربوية من رحلة الإسراء والمعراج

إن الانشغال بـحكم صيام ليلة الإسراء والمعراج لا ينبغي أن ينسينا الجوهر، فالمعجزة لم تحدث لكي نصوم يوماً ثم نعود كما كنا، بل حدثت لترسخ فينا:

  • مركزية المسجد الأقصى، فالربط بين المسجدين الحرام والأقصى هو ربط عقدي لا ينفصم.
  • قيمة الصلاة، فهي العبادة الوحيدة التي فرضت في السماء، وذلك يدل على عظمتها.
  • اليقين بفرج الله، حيث جاء الإسراء بعد حصار وتعب، ليعلمنا أن مع العسر يسراً.

وفي الختام، فإن حكم صيام ليلة الإسراء والمعراج يرسِّخ قاعدة عظيمة في ديننا، وهي أن العبادات تُبنى على الاتباع لا على العاطفة، وعلى الدليل لا على العادة، فمحبة النبي ﷺ لا تكون بابتداع عبادات لم يشرعها، وإنما تكون بلزوم سنته والاقتداء بهديه في كل زمان ومكان، ومن وعى هذا المعنى أدرك أن الخير كل الخير في الالتزام بما ثبت، وأن السلامة كل السلامة في الوقوف عند حدود الشرع، فذلك هو الطريق الأقوم لقبول العمل وصدق القصد.

المصدر

1

زر الذهاب إلى الأعلى
Index