أسئلةإعرف دينك

ما هو سبب بيعة الرضوان؟

بيعة الرضوان والدروس المستفادة منها

ما هو سبب بيعة الرضوان؟

ارتبطت السيرة النبوية المطهرة بمواقف حاسمة شكلت معالم واضحة في مسيرة الدعوة الإسلامية وبناء الدولة في المدينة المنورة، ومن بين تلك المحطات الكبرى تبرز بيعة الرضوان كحدث تاريخي فريد تجلت فيه أسمى معاني الولاء والترابط بين القيادة النبوية والقاعدة المؤمنة. لم تكن هذه البيعة مجرد استجابة لحظية لأزمة عابرة، بل كانت تزكية ربانية خلدها القرآن الكريم لتبقى نموذجاً حياً في الثبات والتضحية.

لفهم أبعاد هذا الحدث التاريخي، يتطلب الأمر الوقوف على تفاصيل الرحلة التي بدأت برؤيا منامية، وانتهت بصلح غيَّر موازين القوى في الجزيرة العربية، وفي السطور التالية نبسط الحديث حول تفاصيل هذه الحادثة، مجيبين بشكل دقيق عن سؤال: ما هو سبب بيعة الرضوان؟ معتمدين في ذلك على ما ثبت في الكتاب والسنة النبوية الصحيحة.

 سياق الأحداث قبل بيعة الرضوان

أعلن النبي صلى الله عليه وسلم لخروجه إلى مكة المكرمة في شهر ذي القعدة من العام السادس للهجرة، ولم يكن خروج المسلمين يومئذ بدافع القتال أو الرغبة في خوض معركة مع قريش، وإنما جاء انطلاقاً من رؤيا رأى فيها النبي صلى الله عليه وسلم أنه يدخل المسجد الحرام هو وأصحابه آمنين محلقين رؤوسهم ومقصرين، وبما أن رؤيا الأنبياء وحي، فقد استبشر الصحابة الذين اشتد شوقهم إلى الكعبة المشرفة بعد سنوات من الهجرة والبعاد.

وللتأكيد على سلمية هذه الرحلة أمام قبائل العرب وقريش اتخذ النبي صلى الله عليه وسلم جملة من الترتيبات التي تنفي أي نية للقتال:

  • أمر الصحابة بالملابس الخاصة بالإحرام منذ البداية ليظهروا علانية كزوار وعُمَّار.

  • ساق المسلمون معهم الأنعام المخصصة للنحر في الحرم، وهو عرف تعظمه العرب كافة.

  • لم يحمل المسلمون من السلاح إلا “سلاح المسافر”، وهو السيف في غمده، وهو الحد الأدنى المسموح به للحماية من قطاع الطرق أثناء السفر، وليس السلاح الثقيل المخصص للمعارك والأنحاء المعقدة.

تحرك الركب النبوي ويقدر عددهم بنحو 1400 إلى 1500 من المهاجرين والأنصار، ملبين تلبية واحدة تهز الصحراء خشوعاً، حتى بلغوا ذي الحليفة ومنها واصلوا المسير نحو مكة.

حين علمت قريش بمسير هذا الجمع سادت حالة من التوجس والاضطراب في صفوفها، وكانت القبيلة الحاكمة لمكة تخشى أن يُفسر سماحها لدخول المسلمين بين العرب على أنه انكسار وإرغام لها، لا سيما بعد المعارك الطاحنة التي دارت في السنوات السابقة كبدر وأحد والخندق، وبناءً على ذلك قررت قريش تعبئة مقاتليها لصد المسلمين عن البيت الحرام بكل وسيلة ممكنة.

أرسلت قريش فرساناً بقيادة خالد بن الوليد (قبل إسلامه) لقطع الطريق الرئيسي، إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم، استناداً إلى خبرة بعض الأدلاء الجغرافيين من الصحابة، سلك طريقاً وعراً بين الشعاب لتفادي الاصطدام العسكري المبكر، حتى نزل المسلمون في منطقة الحديبية على أطراف الحرم المكي.

عند وصول الناقة “القصواء” إلى حدود الحديبية بركت، وظن الناس أنها حردت، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما خَلأتِ القَصْواءُ، وما ذاك لها بخُلُقٍ، ولكنْ حَبَسَها حابِسُ الفِيلِ، والذي نَفْسِي بيَدِهِ لا يَسْأَلُونِي خُصْلَةً يُعَظِّمُونَ فيها حُرُماتِ اللهِ إلَّا أعْطَيْتُهُمْ إيَّاها»، وكان هذا التوجيه النبوي إشارة واضحة إلى الرغبة في تجنب القتال داخل الحرم وحقن الدماء ما وجد إلى ذلك سبيلاً.

بدأت في الحديبية مرحلة من تبادل الرسل والوفود لجس النبض. فجاء بديل بن ورقاء الخزاعي، ثم عروة بن مسعود الثقفي الذي عاد إلى قريش واصفاً شدة تعلق الصحابة بالنبي وعظيم توقيرهم له، محذراً إياهم من مغبة الدخول في صدام مع ناس يفتدون قائدهم بأرواحهم.

أراد النبي صلى الله عليه وسلم إرسال سفير رسمي يمثل المسلمين، يحمل رسالة واضحة لا لبس فيها إلى أعيان مكة تؤكد الهدف السلمي للزيارة، ووقع الاختيار في البداية على عمر بن الخطاب رضي الله عنه، لكن عمر اعتذر اعتذاراً مبنياً على تقدير سياسي حكيم، قائلاً: “يا رسول الله، إني أخاف قريشاً على نفسي، وليس بمكة من بني عدي بن كعب أحد يغضب لي إن أوذيت، وقد عرفت قريش عداوتي إياها وغلظتي عليها، ولكن أدلك على رجل هو أعز بمكة مني: عثمان بن عفان”.

استصوب النبي صلى الله عليه وسلم هذا الرأي، ودعا عثمان بن عفان رضي الله عنه ليكون سفيراً للمسلمين، نظراً لمكانته الرفيعة ونسبه الممتد في بني أمية، مما يوفر له حماية قبلية داخل مكة، فدخل عثمان مكة في جوار أبان بن سعيد بن العاص، وأبلغ قريشاً الرسالة النبوية، وقبل عودته عرضت عليه قريش أن يطوف بالبيت وحده طالما أنه متواجد في مكة، لكن عثمان ضرب أروع أمثلة الوفاء والأدب مع رسول الله، حيث رفض العرض قائلاً: «ما كنت لأطوف به ورسول الله صلى الله عليه وسلم محصوراً حتى يطوف به».

سبب قيام بيعة الرضوان

أثار موقف عثمان الصلب وقوة رسالته حفيظة قريش، فاحتبسته عندها لعدة أيام تتدبر أمرها وتتشاور في كيفية الرد، ومع انقطاع أخبار عثمان وتأخره غير المتوقع عن معسكر المسلمين بدأت الأجواء في الحديبية تصبح أكثر شحناً وقلقاً، حتى انتشرت في المعسكر شائعة قوية مفادها أن قريشاً قد غدرت بعثمان بن عفان وقتلته.

في الأعراف السياسية والقبلية السائدة آنذاك كان قتل السفير بمثابة إعلان حرب صريح لا يحتمل التأويل، وتجاوزاً لكل الخطوط الحمراء التي تعارفت عليها العرب، وهنا تبدل الموقف النبوي تماماً؛ فلم يعد الأمر يتعلق بمجرد أداء شعيرة العمرة، بل صار مسألة حماية لكرامة الأمة ودماء أبنائها.

من هنا نجد الإجابة المباشرة والواضحة في سبب بيعة الرضوان هو الشائعة التي وصلت إلى المسلمين بمقتل عثمان بن عفان رضي الله عنه، مما دفع النبي صلى الله عليه وسلم إلى اتخاذ قرار فوري بالتعبئة والاستعداد التام للموت ومواجهة غدر قريش دون تراجع.

أحداث بيعة الرضوان

بمجرد شيوع الخبر جلس النبي صلى الله عليه وسلم تحت شجرة من أشجار “السمُر” الموجودة في الحديبية، ودعا الصحابة إلى مبايعته على مواجهة الموقف، واندفع الصحابة رضي الله عنهم بروح إيمانية عالية وثبات مطلق نحو النبي صلى الله عليه وسلم، وبدؤوا يبايعونه فرداً فرداً.

تنوعت الروايات الصحيحة في صيغة البيعة؛ فعن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال: “بايعته على الموت”، بينما ذكر جابر بن عبد الله رضي الله عنه قوله: “لم نبايعه على الموت، ولكن بايعناه على ألا نفر”، والواقع أنه لا تعارض بين الروايتين؛ فعدم الفرار في مواجهة جيش يفوقهم عدة وفي عقر داره، يؤول في النهاية إلى الاستعداد للموت والثبات في المعركة حتى الرمق الأخير.

وفي هذا المشهد المهيب تجلت منزلة عثمان بن عفان رضي الله عنه حين رفع النبي صلى الله عليه وسلم يده اليمنى قائلاً: «هذه يد عثمان»، ثم ضرب بها على يده الأخرى وقال: «وهذه لعثمان»، فكانت هذه الإشارة بمثابة تمثيل نبوي لعثمان في ركب المبايعين، وتزكية بالغة لوفائه ومكانته.

الشهادة القرآنية والنبوية لأهل البيعة

لم تكن بيعة الرضوان مجرد حادثة في كتاب التاريخ، بل كانت محطة نالت تزكية إلهية مباشرة من فوق سبع سموات، وجاءت آيات سورة الفتح لتوثق رضا الله عز وجل عن أولئك المؤمنين الصادقين، ومن هذا الرضا الإلهي اكتسبت البيعة اسمها التاريخي.

يقول الله سبحانه وتعالى في محكم التنزيل: {لَّقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا} [سورة الفتح، الآية 18]، فنجد هذه الآية تحمل شهادة مطلقة بطهارة سرائر الصحابة وإخلاصهم، حيث ربط الله رضاه بعلمه بما في قلوبهم من صدق ويقين.

وفي آية أخرى من السورة ذاتها، يعظم الله شأن هذه المبايعة فيقول: {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ۚ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَىٰ نَفْسِهِ ۖ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} [سورة الفتح، الآية 10].

وعلى صعيد السنة النبوية المطهرة تظاهرت الأحاديث الصحيحة في بيان فضل أهل الحديبية؛ ففي صحيح البخاري عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم يومئذ: «أَنْتُمْ خَيْرُ أَهْلِ الأَرْضِ»، وفي صحيح مسلم عن أم مبشر رضي الله عنها أنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يَدْخُلُ النَّارَ إنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ أَحَدٌ، الَّذِينَ بَايَعُوا تَحْتَهَا».

مآلات البيعة

لم يكد المسلمون يفرغون من بيعتهم حتى عاد عثمان بن عفان رضي الله عنه سالماً إلى المعسكر، فتبددت الشائعة وتنفست القلوب الصعداء، ومع ذلك كان صدى قيام بيعة الرضوان قد وصل إلى أسماع قريش في مكة، فأحدث لديها هزة نفسية عميقة وذعراً حقيقياً؛ إذ أدركت قيادة قريش أن المسلمين لن يعودوا دون حسم، وأنهم مستعدون للتضحية بأنفسهم دون تردد.

أمام هذا الإصرار والتماسك النبوي، غيرت قريش استراتيجيتها بالكامل، وتخلت عن نبرة الصد والوعيد، وأرسلت سريعاً سهيل بن عمرو مفوضاً بصلاحيات واسعة لإبرام اتفاق سلام يحفظ للطرفين هيبتهما ويحقن الدماء، ومن رحم هذه الأزمة التي فجرها سبب بيعة الرضوان، وُلد ما يُعرف تاريخياً بـ “صلح الحديبية” الذي تضمن بنوداً جوهرية:

  • هدنة ووقف الحرب بين الطرفين لمدة عشر سنوات كاملة.

  • أن يعود المسلمون في عامهم هذا، على أن يدخلوا مكة معتمرين في العام المقبل ويقيموا بها ثلاثة أيام فقط.

  • ترك الحرية للقبائل العربية في الدخول في حلف النبي صلى الله عليه وسلم أو حلف قريش.

  • من أتى محمداً من قريش دون إذن وليه رده إليهم، ومن جاء قريشاً من المسلمين لم يردوه.

وعلى الرغم من أن بعض البنود بدت مجحفة في ظاهرها لبعض الصحابة كعمر بن الخطاب رضي الله عنه، إلا أن النتائج الإستراتيجية اللاحقة أثبتت بعد النظر النبوي؛ حيث تفرغ المسلمون لنشر الدعوة بحرية، ودخل الناس في دين الله أفواجاً، وهو ما جعل القرآن يصف هذا الصلح بالفتح المبين.

الدروس المستفادة من بيعة الرضوان وصلح الحديبية

تتجاوز أحداث الحديبية مجرد السرد التاريخي لتمنح الأمة دروساً بليغة في القيادة والإدارة والإيمان:

  • قيمة الفرد في المجتمع الإسلامي، فاستنفار جيش المسلمين بأكمله وتغيير خطة الرحلة من السلم إلى الاستعداد للموت لأجل شائعة مقتل رجل واحد (عثمان بن عفان)، يؤكد على القيمة الإنسانية والدينية للمسلم، وأن دمه وعرضه خط أحمر تتحرك لأجله الأمة بكامل ثقلها.

  • انعكاس القوة النفسية على التفاوض، فلولا الموقف الصلب الذي تجسد في بيعة الرضوان، لما انصاعت قريش لطلب الصلح ولما أرسلت سهيل بن عمرو، فالقوة والمستند الإيماني الواضح هما الداعم الأساسي لنجاح أي مسار تفاوضي سياسي.

  • المرونة النبوية وتغليب المصالح العليا، فبمجرد عودة عثمان وتوفر فرصة حقيقية للسلم، لم يتمسك النبي صلى الله عليه وسلم بخيار الحرب، بل عاد فوراً إلى المسار السلمي وقبل بشروط صلح الحديبية الصعبة، تغليباً للمصلحة الدعوية بعيدة المدى على المكاسب الآنية.

في الختام، تلخص لنا أحداث الحديبية كيف يصنع الإيمان الصادق والالتفاف حول القيادة النبوية الفارق في أحلك الظروف، فقد كان سبب بيعة الرضوان الحقيقي اختباراً عملياً لقلوب المؤمنين، تجلى فيه وفاء عثمان وحكمة النبي ويقين الصحابة، ولم يكن رضا الله الذي نزل به الوحي مجرد تكريم لجيل الصحابة الأطهار فحسب، بل هو درس خالد للأمة في معاني الولاء، والتضحية، وحفظ دماء المسلمين، فهي المحطة التي رسخت القوة النفسية للمسلمين، وكانت الممهد الحقيقي لصلح الحديبية، الذي فتح للإسلام آفاقاً عالمية جديدة، مؤكداً أن العهد مع الله هو التجارة الرابحة في كل زمان ومكان.

المصدر

1 ، 2 ، 3

زر الذهاب إلى الأعلى
Index