(وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ…) تفسير شامل وتدبر لآية الابتلاء
تأمل معنى (وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ...)
حيث تتوالى المحن، ويتكاثر الوجع، ويعجز الإنسان عن فهم ما يجري من حوله، تأتي آيات القرآن كأنها مصابيح هداية في ليلٍ طويل، ومن بين هذه المصابيح، تشرق آية كريمة من سورة البقرة، لا تُقرأ بالعين فقط، بل تُقرأ بالقلب: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ…﴾.
هي ليست آية تصف واقعًا فقط، بل ترسم منهج حياة، وتُخبرك أن البلاء قادم لا محالة، لكنه ليس عشوائيًا، ولا عبثيًا، بل هو رسالة، وامتحان، وليُخرِج الله من قلبك أنقى ما فيه.
تتجلى حكمة الله في هذه الآية في ترتيب أنواع الابتلاء، وتبرز رحمته حين يطمئنك أنه “بشيء”، لا بكل شيء، ثم يُبشِّرك في النهاية، لا بالعقاب، بل بالصبر، وبالصلوات، وبالرحمة، وبالهداية.
سنقدم في هذا المقال تفسير هذه الآية العظيمة، ونفكك مفرداتها، ونربطها بواقعنا المعاصر، ونكشف كيف ربَّى الله بها جيل الصحابة، ويُربينا بها اليوم، وسنقف على سر التقديم والتأخير، وعلى معاني “الخوف”، و”الجوع”، و”نقص الأموال والأنفس والثمرات”، ثم نتأمل وعد الله: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾، فاقرأ بعين القلب، وتأمل كما لو أن الآية نزلت إليك شخصيًا.
نص آية ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ…﴾
“وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ” (سورة البقرة، الآية 155).
تفسير مفردات الآية
﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم﴾
جاءت اللام هنا للتأكيد، و”لنبلونكم” صيغة قسم مؤكدة بثلاث أدوات: اللام، والنون المشددة، والفعل نفسه بصيغة المستقبل، وتعني والله لَنختبرنَّكم، والابتلاء في اللغة هو الاختبار والتمحيص، وأصله من “البلوة”، أي التجربة لكشف المعدن الحقيقي للشيء.
﴿بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ﴾
“بشيءٍ” تدل على التخفيف، فالابتلاء ليس تدميرًا شاملًا بل “بشيء”، وهو دليل على رحمة الله في الابتلاء، كما قال الإمام القرطبي رحمه الله: “جعل ذلك يسيراً لأنه قال بشيء”.
أما “الخوف” فهو أول عناصر البلاء، وقد فسر العلماء هذا بأنه خوف من العدو، أو من فقد الأمن، أو من تبدل الأحوال السياسية والاجتماعية والاقتصادية.
﴿وَالْجُوعِ﴾
وهو ثاني عناصر البلاء، ويكون بسبب المجاعة أو الفقر أو انقطاع الموارد، أو حتى لأسباب سياسية كما يحدث في الحصارات، وقد يُبتلى العبد بالفقر لحكمة يعلمها الله.
﴿وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ﴾
يشمل كل ما يملكه الإنسان من مال وتجارة ورزق، فالنقص قد يكون بالحريق، أو السرقة، أو الخسائر الاقتصادية، أو الكساد.
﴿وَالأَنفُسِ﴾
أي موت الأحبة، أو ذهاب الأعوان، أو حتى ابتلاء بالأمراض المستعصية، وقد يدخل فيها أيضًا الخوف من الموت أو وقوع القتل في الحروب والفتن.
﴿وَالثَّمَرَاتِ﴾
وهي المحاصيل والنتاج من الزرع والثمار، وكل ما تعتمد عليه الأمة في معيشتها، والنقص في الثمرات قد يكون بسبب الآفات، أو الجفاف، أو فساد المحاصيل.
﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾
ثم تنزل هذه العبارة كماء بارد على قلب المؤمن، فبعد كل هذا البلاء، لا يُترك الإنسان وحده، بل يأتي الوعد الرباني بالتثبيت والتبشير، والبشارة هنا ليست في الدنيا فقط، بل تشمل الدنيا والآخرة.
السياق العام لآية ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ…﴾
سورة البقرة هي سورة التشريع والتأسيس، وتُعد بمثابة دستور الأمة الإسلامية، وجاءت هذه الآية ضمن سلسلة من الآيات التي تؤسس لقيم الجهاد، والرباط، والثبات، وتبين سنن الله في التمحيص، فقبلها جاء قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم﴾ [سورة البقرة، الآية 214]، فالدعوة إلى الجنة تمر عبر أبواب البلاء.
لماذا يبتلينا الله بهذه الأنواع من الابتلاءات التي جاءت في الآية الكريمة؟
- الخوف فيه تربية للقلب، فيُوقظ النفس من الغفلة، فحين يشعر الإنسان بالخطر يعود إلى الله، ويتخلى عن غطرسته، لذلك يبدأ الله بالخوف لأنه البوابة التي تردع النفس عن الطغيان.
-
الجوع فيه تهذيب للنفس، ويُذِلُّ النفس، ويجعلها تشعر بحاجة الآخرين، وقد كان الجوع دافعًا للأنبياء والصالحين نحو التواضع، والانكسار لله.
-
نقص الأموال فيه كسر التعلق بالدنيا، فالمال فتنة، وقد يفتن الإنسان فيصبح عبدًا له، ويأتي الابتلاء بنقص الأموال ليُطهِّر القلب من هذا التعلق، ويعيد التوازن.
-
نقص الأنفس فيه تذكير بالحقيقة الكبرى ألا وهي الموت، فهو حقيقة لا بد منها، فحين يأخذ الله أحد الأحبة، يُربِّينا على التفويض والتسليم، ويُجدد في القلب الإيمان بالدار الآخرة.
-
نقص الثمرات فيه قطع التعلق بالنتائج، فالإنسان نشأ بفطرة على ربط مجهوده بالنتائج، لكن النقص في الثمرات يعلِّم الإنسان أن الزرع بيده، أما الحصاد فبيد الله.
من هم الصابرون الذين استحقوا البشارة في آية ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ…﴾؟
تُجيب الآية التالية: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾، فهؤلاء ليسوا من يصبرون بالسكوت أو بالكتمان فقط، بل الذين يربطون كل شيء بالله، فيقولون: نحن ملك لله، وإن رجوعنا إليه محتوم، فهذه الكلمة ليست لفظًا فقط، بل عقيدة تُسكب في القلب، وراحة تملأ النفس.
ثمار الصبر بعد البلاء
قال الله تعالى في الآية التي تليها: ﴿أُوْلَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ۖ وَأُوْلَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [سورة البقرة، الآية 157]، فالصابرون لهم ثلاث جوائز صلوات من الله أي ثناء ورضا وقبول، ورحمة تشمل اللطف والتيسير والفرج، وهداية هي النور الذي يهتدون به في الدنيا، والطريق المستقيم في الآخرة.
كيف نُعد أنفسنا؟
لكي يعيش المسلم هذه الآية واقعًا، لا بد أن يُعِد قلبه بهذه المفاهيم:
-
أن الدنيا دار بلاء، لا دار قرار، والنبي ﷺ قال: “الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر” [رواه مسلم].
-
أن البلاء دليل حب الله للعبد، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: أن النبي ﷺ قال: “إنَّ عِظَمَ الجزاءِ مع عِظَمِ البلاءِ ؛ و إنَّ اللهَ تعالى إذا أحبَّ قومًا ابتلاهم ، فمن رضيَ فله الرِّضَى ، و من سخِط فله السُّخطُ“ [رواه الترمذي].
-
أن الله لا يُبتلي إلا لحكمة، وما من ابتلاء إلا وفيه نفع ولو لم نُدركه.
-
أن الصبر عبادة قلبية عظيمة، ومن أعظم ما يُثاب عليه، وقد رُبط في القرآن بالأجر غير المحدود: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [سورة الزمر، الآية 10].
في الختام، قدمنا تفسير وتأمل لآية ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ…)، وتجد أنه قد تمرُّ عليك لحظات فقد، أو تُحاصر بالديون، أو يرحل منك من تُحب، أو يضيق بك رزقك، فتشعر أن الدنيا تضيق وتكاد تسقط. لكن اقرأ هذه الآية، ورددها، وتذكر أن البلاء سنة ربانية، وأن الصابرين هم أحباب الله في أرضه، ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ وعدٌ رباني لا يُخلف، فإن كنت اليوم تئن من البلاء، فغدًا ستُبَشَّر، فاصبر، فإن مع العسر يُسرًا.
المصدر