
الحكمة من السعي بين الصفا والمروة… هل تساءلت يومًا لماذا يعود ملايين الحجاج والمعتمرين إلى هذين الجبلين المتواضعين كل عام، يسعون بينهما سبع مرات بقلوب خاشعة وأقدام متعبة، وكأن كل خطوة تحمل سرًّا لا يُدرك إلا من عاشه؟ تخيَّل أمًّا ترى فلذة كبدها – رضيعًا بريئًا – يتلوى من العطش في وادٍ لا ماء فيه ولا أنيس، فتترك كل شيء وتنطلق:، فتصعد جبلًا، وتنظر في الأفق الخالي، لا ترى شيئًا، وتنزل مسرعة، وتهرول في الوادي، وتصعد الجبل الآخر… سبع مرات كاملة، دون أن تيأس، دون أن تشكو، قلبها معلق بالله وحده، ثم يأتي الفرج من حيث لا يُحتسب، فينفجر نبع تحت قدمي الطفل، يروي الأرض والناس إلى يوم الدين.
هذه ليست قصة من الماضي البعيد… إنها اللحظة التي تعيشها أنت الآن عندما تسعى، لكن ما الذي يجعل هذه الخطوات السبع تتجاوز كونها مجرد حركة جسدية، لتصبح درسًا يغير حياتك كلها؟ ما السر الذي جعله الله شعيرة من شعائره، يُكررها المسلمون في كل حج وعمرة؟ وكيف يمكن أن تتحول صعوباتك اليومية إلى سعي يفتح لك أبواب الرحمة نفسها؟ ابقَ معي… فالإجابة ليست في الكتب فقط، بل في ما يشعر به قلبك وأنت تقرأ السطور التالية.
السياق التاريخي للسعي بين الصفا والمروة (قصة هاجر وابنها إسماعيل عليه السلام)
لنبدأ بفهم الحكمة من السعي بين الصفا والمروة من خلال عودة إلى أصولها التاريخية، فهي الشعيرة ترتبط ارتباطاً وثيقاً بقصة سيدنا إبراهيم عليه السلام وزوجته هاجر وابنهما إسماعيل عليه السلام، فتخيلوا المشهد.. وادي مكة الذي كان في ذلك الوقت أرضاً قاحلة خالية من الحياة، لا نبات فيها ولا ماء، وفي ذلك الوقت أمر الله إبراهيم عليه السلام بترك زوجته وابنه الرضيع هناك اختباراً لإيمانه، وبعد أن نفد الماء والطعام بدأ الطفل إسماعيل عليه السلام يبكي من الجوع والعطش، فانطلقت هاجر تبحث عن مصدر للحياة.
في رواية صحيحة من صحيح البخاري، يروي ابن عباس رضي الله عنهما القصة بالتفصيل: “فجاءت هاجر إلى الصفا فصعدت عليه، ثم نظرت هل ترى أحداً، فلم تر أحداً، فنزلت إلى المروة، فصعدت عليها، ثم نظرت هل ترى أحداً، فلم تر أحداً، ففعلت ذلك سبع مرات. فلما أشرفت على المروة سمعت صوتاً، فقالت: أغث إن كان عندك خير. فإذا جبريل، فضرب بعقبه الأرض فانفجرت عين زمزم”، وهذا السعي المتكرر لم يكن مجرد حركة عشوائية؛ كان تعبيراً عن الإصرار والأمل في رحمة الله.
هذه القصة ليست مجرد حدث قديم؛ فهي الأساس الذي بنى عليه الإسلام شعيرة السعي، ففي كل مرة يسعى فيها الحاج أو المعتمر اليوم، يعيد تمثيل رحلة هاجر، لكن مع وعي بأن الله لا يترك عباده، فهل مررت يوماً بظروف تشبه هذا اليأس؟ ربما في مشكلة مالية أو صحية، وتكمن هنا الحكمة من السعي بين الصفا والمروة وهي تذكيرنا بأن الجهد المخلص يلقى دائماً استجابة إلهية، وفي نهاية القصة انفجر بئر زمزم الذي أصبح مصدر حياة لمكة، ودليلاً على أن الله يجعل من الصعوبات فرصاً للنمو.
كان العرب في عصر الجاهلية يسعون بين الصفا والمروة، لكن كان مرتبطاً بأصنام مثل أساف ونائلة، وعندما جاء الإسلام تردد بعض المسلمين في أدائها خوفاً من الشرك، فنزلت الآية القرآنية لتؤكد طهارة هذه الشعيرة، وهذا التحول يعكس كيف يأخذ الإسلام من التراث الإيجابي ويطهره، مما يضيف طبقة أخرى إلى الحكمة من السعي بين الصفا والمروة.
الحكم الشرعي للسعي بين الصفا والمروة
دعونا الآن نتحدث عن الجانب الشرعي للحكمة من السعي بين الصفا والمروة، فالسعي ركن أساسي في الحج والعمرة، وتركه يؤثر على صحة النسك، فالله تعالى يقول في كتابه: “إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوْ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ” (سورة البقرة، الآية 158)، فهذه الآية نزلت لإزالة الشكوك، مؤكدة أن السعي ليس من الجاهلية، بل من شعائر الله.
روى الإمام مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما وصف حجة الوداع عندما قال النبي صلى الله عليه وسلم: “ابدَؤوا بما بدأَ اللهُ به” أي: ابدؤوا السَّعيَ في الحَجِّ والعُمرةِ بما بدأ به في الذِّكرِ الحَكيمِ؛ فابْدؤوا السّعيَ مِن جَبلِ الصَّفا كما قال تعالى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ } [سورة البقرة، الآية 158]، وأكمل جابر بن عبد الله رضي الله عنه بوصف ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع ويقول: بدأ النبي ﷺ بالصفا فرقي عليه حتى رأى البيت، فاستقبل القبلة، فوحَّد الله وكبَّره… ثم نزل إلى المروة حتى إذا انصبَّت قدماه في بطن الوادي سعى حتى جاوز الوادي”، وهذا الحديث يبين كيفية الأداء بالتفصيل، ويؤكد وجوب السعي.
حديث آخر صحيح رواه أبو داود وصححه الألباني عن حبيبة بنت أبي تجراة رضي الله عنها: “رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف بين الصفا والمروة، والناس بين يديه، وهو وراءهم، وهو يسعى حتى أرى ركبتيه من شدة السعي يدور به إزاره، وهو يقول: اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي”، وهذا يبرز الإلزامية، حيث “كتب” تعني الفرض.
بالنسبة للحكم الفقهي يرى الشافعي ومالك وأحمد أن السعي ركن في الحج، وتركه يبطل النسك إلا بذبح، أما أبو حنيفة فيراه واجباً يجبر بدم، لكن الحكمة من السعي بين الصفا والمروة تتجاوز الوجوب؛ فهي تدريب على الالتزام بالأوامر الإلهية حتى في الظروف الصعبة، وفي العمرة هو سنة مؤكدة، لكن أداؤه يزيد الأجر.
الحكمة العقدية من السعي بين الصفا والمروة
دعونا نتعرف على الحكمة من السعي بين الصفا والمروة من منظور عقائدي.
ترسيخ مبدأ التوكل الصحيح
السعي يعلم المسلم أن التوكل ليس ترك الأسباب، بل الجمع بين العمل القلبي والعمل الجسدي، فهاجر وثقت بالله، لكنها لم تتوقف عن السعي، وهذا لب الحكمة من السعي بين الصفا والمروة عقديًا.
الإيمان بأن الفرج بيد الله لا بالسبب
رغم أن الماء لم يكن على الصفا ولا على المروة، إلا أن السعي كان سببًا للفرج، ليتعلم العبد أن النتائج بيد الله، لكن الأسباب مطلوبة.
الحكمة التعبدية من السعي من السعي بين الصفا والمروة
تحقيق معنى العبودية
السعي حركة متكررة، فيها تعب ظاهر، ومع ذلك يؤديها العبد طاعةً لله، دون اعتراض أو ملل، وهذا يربي في النفس التسليم والانقياد وتعظيم أمر الله، وكلها داخلة في الحكمة من السعي بين الصفا والمروة، فنحن نسعى لأن الله أمرنا بذلك، ولأن النبي ﷺ قال: “لتأخذوا عني مناسككم” (رواه مسلم)، فقد لا يدرك البعض الحكمة المادية المباشرة من المشي ذهاباً وإياباً، ولكن الحكمة الكبرى هي “العبودية”، أي فعل ما أمر الله به حباً وطاعة.
العبادة بالفعل لا بالقول فقط
في السعي الجسد يعبد، والقلب يعبد، واللسان يذكر، فالمسعى ليس مكاناً للنزهة، بل هو “محراب متحرك”، والحكمة هي تعمير الوقت بالذكر، فقد كان النبي ﷺ يكثر من التهليل والتكبير والدعاء عند الوقوف على الصفا وعلى المروة، فالحركة البدنية تساعد على طرد الغفلة، مما يجعل القلب حاضراً مع اللسان في ذكر الله، فتتحقق العبودية الشاملة.
الحكمة التربوية من السعي بين الصفا والمروة
تعليم الصبر وعدم اليأس
سبعة أشواط تكرار بعد تكرار دون أن ترى هاجر النتيجة فورًا، لكن الفرج جاء في النهاية، وهذا السعي يعلمنا أن الصبر ليس انتظاراً سلبياً، بل عملاً مستمراً، فلا تترك السعي لأن النتيجة تأخرت
استحضار الضعف الإنساني
وأنت تسعى تتعب وتتنفس بصعوبة وتشعر بالحاجة، فتتذكر فقرك إلى الله، وهذه من أعظم الحكم من السعي بين الصفا والمروة.
الأبعاد النفسية والتربوية للسعي بين الصفا والمروة
تتخطى الحكمة من السعي بين الصفا والمروة الجوانب التاريخية لتلمس نفسية المسلم المعاصر:
-
كسر الكبرياء، فعندما يهرول الرجل الوقور في “بطن الوادي” (بين العلمين الأخضرين)، فإنه يكسر هيبة نفسه وكبرياءها أمام عظمة الخالق، متشبهاً بضعف المرأة المحتاجة لربها.
-
تجديد الأمل، فتكرار الأشواط يرمز لمراحل الحياة؛ فقد يبدو الشوط الأول شاقاً، والثاني طويلاً، ولكن مع الوصول للشوط السابع يجد العبد الراحة والفرج، تماماً كما انفرج كرب هاجر بزمزم.
-
المساواة المطلقة، يتجلى في المسعى مشهد مهيب؛ ملوك ورعايا، أغنياء وفقراء، الكل يسعى في طريق واحد، فلا تمييز بلباس ولا بمقام، فالجميع عبيد لله.
لماذا سبعة أشواط؟
قد يتساءل البعض عن الحكمة من السعي بين الصفا والمروة سبع مرات تحديداً، فيقول العلماء إن الرقم سبعة له سر في خلق الله وشريعته؛ فالسماوات سبع، والأرضون سبع، وأيام الأسبوع سبع، والطواف حول الكعبة سبع، وتكرار العدد سبعة في السعي يرمز للكمال والتمام، وكأن العبد يطهر نفسه تماماً من ذنوبه خلال هذه الأشواط السبعة.
كيف تجعل سعيك مقبولاً ومؤثراً في حياتك؟
لتحقيق أقصى درجات الحكمة من السعي بين الصفا والمروة، اتبع هذه النصائح الذهبية:
-
استحضر الافتقار، فادخل المسعى وأنت تشعر أنك أفقر الخلق إلى رحمة الله، تماماً كما كانت هاجر وحيدة في الوادي.
-
لا تنشغل بالهاتف، وابتعد عن التصوير والحديث الجانبي؛ واجعل هذه اللحظات خلوة بينك وبين خالقك.
-
تدبر الآيات، فعندما تقرأ “إن الصفا والمروة من شعائر الله”، استشعر أنك في ضيافة الله وفي رحاب مقدساته.
-
الدعاء للغير، ولا تنسَ والديك، وأبناءك، والمسلمين المستضعفين في كل مكان، فالدعاء في هذا الموطن حريٌّ بالإجابة.
تساؤلات شائعة حول السعي بين الصفا والمروة
هل يشترط الوضوء للسعي؟
من تيسير الشريعة الإسلامية أن الوضوء ليس شرطاً لصحة السعي، وإن كان الأفضل أن يكون المسلم على طهارة، فلو أحدثت المرأة حيضاً بعد الطواف وقبل السعي، جاز لها السعي عند جمهور العلماء، لأن المسعى ليس من المسجد في الحكم القديم وإن أُلحق به بناءً.
ما الفرق بين الطواف والسعي؟
الطواف يكون حول الكعبة المشرفة، وهو تحية البيت، أما السعي فهو ركن أو واجب (حسب المذهب الفقهي) يتبع الطواف في الحج والعمرة، ويمثل السعي الجانب “الحركي” الممتد خارج محيط الكعبة.
في ختام حديثنا عن الحكمة من السعي بين الصفا والمروة، ندرك أن هذا النسك هو تجسيد حي لرحلة الإنسان في الحياة؛ بين أمل وخوف، وسعي وتوكل، فهي الشعيرة التي تربطنا بجذورنا الإيمانية العميقة وتذكرنا بأن من ترك شيئاً لله، وعلق قلبه به، فلن يضيعه أبداً.
إن فهمك للحكمة من السعي بين الصفا والمروة يحول حركتك من مجرد خطوات إلى معراج روحي تسمو به نفسك وتطمئن به روحك.
هل تخطط لأداء العمرة قريباً؟ سأكون سعيداً جداً بمساعدتك بتزويدك بأدعية مأثورة أو دليل فقهي مبسط لكل منسك من المناسك؛ هل ترغب في ذلك؟، اترك ما تريده في التعليقات.
المصدر













