فضل العشر الاوائل من ذي الحجة 2026 والأعمال المستحبة فيها
كل ما تريد معرفته عن فضل العشر الاوائل من ذي الحجة

فضل العشر الاوائل من ذي الحجة من أعظم الموضوعات الإيمانية التي يتجدد الحديث عنها كل عام مع اقتراب موسم الطاعات، لأن هذه الأيام ليست مجرد مناسبة دينية عابرة، بل هي أعظم أيام الدنيا كما دلت النصوص الصحيحة من القرآن الكريم والسنة النبوية، وقد جعل الله فيها من الفضائل والبركات ما يدفع المسلم إلى مراجعة نفسه والإقبال على ربه بالطاعة والذكر والعمل الصالح.
ومع دخول العشر الأوائل من ذي الحجة 2026 يحرص ملايين المسلمين في أنحاء العالم على معرفة الأعمال المستحبة فيها، وفضل الصيام والتكبير والدعاء، وما الذي يميز هذه الأيام عن غيرها من مواسم العبادة، لكن المؤسف أن كثيرًا من المحتوى المنتشر حول هذه الأيام إما يبالغ في الوصف دون دليل، أو ينقل أحاديث ضعيفة وقصصًا لا أصل لها، مما يجعل القارئ في حيرة بين الصحيح وغير الصحيح.
ولهذا جاء هذا المقال ليكون مرجعًا شاملًا حول فضل العشر الاوائل مع الاسناد من القرآن الكريم والأحاديث الصحيحة وأقوال أهل العلم المعتبرين، كما سنوضح أفضل الأعمال في هذه الأيام، والحكمة من تعظيمها، وفضل يوم عرفة ويوم النحر، وكيف يمكن للمسلم أن يغتنم هذه الأيام عمليًا ليخرج منها بقلب أقرب إلى الله.
فإذا كنت تبحث عن شرح كامل ومفصل عن فضل العشر الأوائل من ذي الحجة 2026، وما ينبغي فعله فيها، فهذا المقال سيمنحك صورة واضحة وعميقة تساعدك على فهم مكانة هذه الأيام المباركة كما جاءت في الكتاب والسنة.
ما المقصود بالعشر الأوائل من ذي الحجة؟
العشر الأوائل من ذي الحجة هي أول عشرة أيام من شهر ذي الحجة، وهو آخر شهور السنة الهجرية، وفيه تؤدى فريضة الحج التي تعد الركن الخامس من أركان الإسلام.
وتبدأ هذه الأيام من غروب شمس آخر يوم من شهر ذي القعدة، وتنتهي بغروب شمس اليوم العاشر من ذي الحجة، وهو يوم عيد الأضحى المبارك.
وتتميز هذه الأيام بأنها تجمع أعظم العبادات التي يتقرب بها العبد إلى ربه، ففيها (الصلاة، والصيام، والذكر، والصدقة، والحج، والأضحية، والدعاء، وقراءة القرآن)، ولهذا كانت فضل العشر الاوائل من ذي الحجة عظيمة جدًا مقارنة بغيرها من أيام السنة.
متى تبدأ العشر الاوائل من ذي الحجة 2026؟
ينتظر المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها هذه الأيام الطاهرة بعيون ملؤها الشوق، وتُشير الحسابات الفلكية المبدئية لعام 2026 م (الموافق للعام الهجري 1447 هـ) إلى أن شهر ذي القعدة سيتم عدته ثلاثين يوماً، مما يرجح أن تكون غرة شهر ذي الحجة هي يوم الإثنين الموافق 18 مايو 2026.
وبناءً على هذه التقديرات الفلكية، يمكننا رسم الخريطة الزمنية المتوقعة للأيام العشرة كاملة لترتيب العبادات وتنظيم الأوقات ومعرفة فضل العشر الاوائل من ذي الحجة 2026 بدقة:
| اليوم الهجري | اليوم الميلادي (مايو 2026) | المناسبة والخصوصية الشرعية |
| 1 ذو الحجة 1447 | الإثنين 18 مايو 2026 | افتتاح الموسم المبارك وبدء التكبير المطلق والإمساك للمضحين. |
| 2 ذو الحجة 1447 | الثلاثاء 19 مايو 2026 | يوم طاعة واستمرار الصيام للأيام التسعة. |
| 3 ذو الحجة 1447 | الأربعاء 20 مايو 2026 | مضاعفة الأوراد والصدقات المكتوبة. |
| 4 ذو الحجة 1447 | الخميس 21 مايو 2026 | يوم مبارك ترفع فيه الأعمال الأسبوعية مع فضل ذي الحجة. |
| 5 ذو الحجة 1447 | الجمعة 22 مايو 2026 | يوم الجمعة المبارك في العشر (ثواب مضاعف واجتماع فضيلتين). |
| 6 ذو الحجة 1447 | السبت 23 مايو 2026 | اقتراب رحلة الحجيج وموسم الصعود. |
| 7 ذو الحجة 1447 | الأحد 24 مايو 2026 | الليلة التي تسبق التروية، زيادة الاجتهاد في قيام الليل. |
| 8 ذو الحجة 1447 | الإثنين 25 مايو 2026 | يوم التروية وانطلاق الحجاج إلى مشعر منى وبداية أعمال الحج الفعلية. |
| 9 ذو الحجة 1447 | الثلاثاء 26 مايو 2026 | يوم عرفة (تكفير سنتين من الذنوب، وصيامه لغير الحجاج أفضل نفل). |
| 10 ذو الحجة 1447 | الأربعاء 27 مايو 2026 | يوم النحر (صلاة عيد الأضحى المبارك، وبدء ذبح الأضاحي والتكبير المقيد). |
الأدلة على فضل العشر الاوائل من ذي الحجة في القرآن الكريم
حينما نتأمل آيات القرآن الكريم، نجد أن الله سبحانه وتعالى قد خص هذه الأيام بنصوص واضحة تدل على عظيم مكانتها، واستحضار هذه الأدلة يعزز في نفس المؤمن اليقين ويدفعه دفعاً نحو استغلال كل دقيقة من دقائق هذا الموسم العظيم وفهم فضل العشر الاوائل من ذي الحجة.
القسم الإلهي في سورة الفجر
لقد استفتح الله جل جلاله سورة الفجر بقسم مهيب، والقسم في القرآن لا يكون إلا بشيء عظيم الشأن عنده سبحانه، فقال تعالى: {وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ} [سورة الفجر، الآيات 1-2].
وقد تضافرت أقوال أئمة التفسير من الصحابة والتابعين على أن الليالي العشر هي عشر ذي الحجة، ويقول الحافظ ابن كثير في تفسيره: “والليالي العشر المراد بها عشر ذي الحجة كما قاله ابن عباس، وابن زبير، ومجاهد، وغير واحد من السلف والخلف”، وهذا الإجماع التفسيري يقطع بأن لهذه الأيام أسراراً إيمانية وفيوضات ربانية تستحق من العبد أن يقف عندها متأملاً ومستعداً.
الأيام المعلومات في سورة الحج
وفي موضع آخر من كتاب الله، يربط سبحانه وتعالى بين هذه الأيام وبين فريضة الحج وذكر الله المستمر، حيث قال: {وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ} [سورة الحج، الآية 28].
وقد نقل الإمام البخاري في صحيحه تعليقاً عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: “الأيام المعلومات: أيام العشر”، وجاء الذكر هنا عاماً ومطلقاً، مما يعني شمولية الطاعة واستيعابها لجميع الأوقات في هذه العشر، لتتجلى عظمة وفضل العشر الاوائل من ذي الحجة في قلب كل مؤمن، سواء باللسان أو بالقلب أو بالعمل الصالح الظاهر والباطن.
الاستقصاء الفقهي لقوله تعالى “وأتممناها بعشر”
ذكر بعض أهل العلم في تفسير قوله تعالى في سورة الأعراف: {وَوَاعَدْنَا مُوسَىٰ ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً} [سورة الأعراف، الآية 142].
أن الثلاثين ليلة هي شهر ذي القعدة كاملاً، وأن العشر التي أتم الله بها الميقات لنبيه موسى عليه السلام هي العشر الأولى من ذي الحجة، وإن كان في المسألة بعض النقاش التفسيري بين المحققين، إلا أن مجرد إيراد هذا الوجه يوضح كيف نظر علماء الأمة وعارفوها إلى هذه الأيام بصفتها أيام كمال وتمام للفضل الرباني.
فضل العشر الاوائل من ذي الحجة في السنة النبوية المطهرة
إذا انتقلنا إلى رحاب السنة النبوية الشريفة، وجدنا بياناً نبوياً شافياً يضع النقاط على الحروف، ويبين بالأدلة القاطعة أن العمل الصالح في هذه الأيام يكتسب ميزة تفضيلية لا يشاركها فيها أي وقت آخر من العام.
حديث ابن عباس رضي الله عنهما
روى الإمام البخاري في صحيحه عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهِنَّ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الأَيَّامِ” – يَعْنِي أَيَّامَ الْعَشْرِ -. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ قَالَ: “وَلا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، إِلا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ”. (صحيح البخاري، كتاب العيدين، باب فضل العمل في أيام العشر)
هذا الحديث يعتبر الأصل الأصيل الذي يستند إليه العلماء عند الحديث عن فضل العشر الاوائل من ذي الحجة، حيث أن دلالته واضحة تماماً؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم استخدم صيغة العموم “ما من أيام”، ليفيد الاستغراق الشامل لكل أيام السنة، والصحابة رضي الله عنهم تعجبوا، لأن المستقر في نفوسهم أن الجهاد في سبيل الله هو ذروة سنام الإسلام وأفضل الأعمال، فسألوا مستفسرين، فأكَّد لهم النبي صلى الله عليه وسلم أن العمل الصالح البسيط كالتسبيحة أو الصدقة في هذه الأيام يفوق في ثوابه ومحبته عند الله أجر الجهاد، إلا في حالة واحدة وهي إفناء النفس والمال معاً في سبيل الله.
حديث عبد الله بن عمر في مسند أحمد
ومن الأحاديث المفسرة والمكملة للحديث السابق، ما رواه الإمام أحمد في مسنده عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ما من أيام أعظم عند الله ولا أحب إليه العمل فيهن من هذه الأيام العشر، فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد” (مسند الإمام أحمد، وصححه الشيخ أحمد شاكر والمحدثون).
هنا نجد توجيهاً عملياً مباشراً؛ فالأمر لم يقتصر على بيان الأفضلية، بل أرشدنا الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم إلى الممارسات اللفظية والقلبية المتمثلة في التكبير والتهليل والتحميد، لتتحول بيوت المسلمين وأسواقهم ومجتمعاتهم إلى ساحات تلهج بذكر الله عز وجل، مستحضرين فضل العشر الاوائل من ذي الحجة.
حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما
روى أبو يعلى بإسناد صحيح عن جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “أفضل أيام الدنيا أيام العشر” – يعني عشر ذي الحجة -، قيل: ولا مثلهن في سبيل الله؟ قال: “ولا مثلهن في سبيل الله إلا رجل عفر وجهه بالتراب” (رواه أبو يعلى والمنذري في الترغيب والترهيب وحسنه الألباني).
هذا اللفظ النبوي الصريح “أفضل أيام الدنيا” لا يترك مجالاً للشك أو التردد في أن هذه الأيام تمتلك الصدارة المطلقة بين سائر أيام السنة من حيث القيمة والمنزلة عند الله سبحانه وتعالى.
لماذا تميزت عشر ذي الحجة عن غيرها؟
قد يتساءل البعض ما العلة الشرعية الكامنة وراء هذا التفضيل العظيم؟ ولماذا تفوقت هذه الأيام حتى على أيام شهر رمضان المبارك في نهارها؟
لقد أجاب الإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني في كتابه الشهير “فتح الباري شرح صحيح البخاري” عن هذا التساؤل بعبارة فقهية بليغة كتبها بمداد من نور، حيث قال: “والذي يظهر أن السبب في امتياز عشر ذي الحجة لمكان اجتماع أمهات العبادة فيه، وهي: الصلاة، والصيام، والصدقة، والحج، ولا يتأتى ذلك في غيره”.
إن هذا التحليل الدقيق يوضح لنا أن سائر أوقات العام قد تشهد الصلاة والصيام والصدقة، لكن عبادة “الحج” بطقوسها ومناسكها العظام من طواف وسعي ووقوف بعرفة ومبيت بمزدلفة ورمي للجمار، لا يمكن إيقاعها شرعاً إلا في هذا الوقت المحدد، فلما اجتمعت هذه الأركان والعبادات الكبرى في هذا الوعاء الزمني، اكتسب الوعاء شرفاً وفضلاً فاق كل وصف، وظهر للعيان فضل العشر الاوائل من ذي الحجة بأجمل صور التلاحم التعبدي.
عشر ذي الحجة أم العشر الأواخر من رمضان؟
هذه المسألة من المسائل الفقهية الدقيقة التي بحثها العلماء قديماً وحديثاً، لفك التداخل الظاهري بين فضل الأيام العشر من ذي الحجة وفضل العشر الأواخر من رمضان التي تضم ليلة القدر، وقد وضع شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه البار الإمام ابن قيم الجوزية ميزاناً فقهياً بديعاً يحل هذا الإشكال ويوضح الصورة بجلاء، حيث قالا:
-
من حيث الأيام والنهار، فإن نهار الأيام العشر الأولى من ذي الحجة أفضل مطلقاً من نهار العشر الأواخر من رمضان، وذلك لأنها تحتوي على يوم عرفة (أفضل أيام الدنيا) ويوم النحر (يوم الحج الأكبر).
-
من حيث الليالي، فإن ليالي العشر الأواخر من رمضان أفضل مطلقاً من ليالي عشر ذي الحجة، لكونها تحتوي على ليلة القدر التي نص القرآن الكريم على أنها خير من ألف شهر (أي ما يزيد عن ثلاث وثمانين سنة من العبادة).
بهذا التفصيل العلمي الرصين، يتبين للمسلم كيف يتلمس مواطن الفضل؛ فيجتهد في نهار ذي الحجة بالصيام والذكر والعمل الصالح، كما يجتهد في ليالي رمضان بالقيام والتهجد والدعاء، فيجمع بين أطراف الخير كلها محققاً غاية العبودية لله.
فضل يوم عرفة ضمن فضل العشر الاوائل من ذي الحجة
يوم عرفة هو اليوم التاسع من ذي الحجة، ويعد من أعظم أيام الإسلام.
فضل صيام يوم عرفة
قال النبي ﷺ: “صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده” (رواه مسلم)، أي أن الله يكفر بصيامه ذنوب سنتين من الذنوب الصغائر.
يوم العتق من النار
قال النبي ﷺ: “ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدًا من النار من يوم عرفة” (رواه مسلم).
خير الدعاء
قال ﷺ: “خير الدعاء دعاء يوم عرفة” (رواه الترمذي)، ولهذا يحرص المسلمون في هذا اليوم على كثرة الدعاء، والاستغفار، الذكر، والصلاة على النبي ﷺ.
فضل يوم النحر وعيد الأضحى
يوم النحر هو اليوم العاشر من ذي الحجة، وهو يوم عيد الأضحى المبارك، فالنبي ﷺ: “أعظم الأيام عند الله تبارك يوم النحر” (رواه أبو داود)، وفيه صلاة العيد وذبح الأضاحي والتكبير وإظهار الفرح المشروع، وهو يوم عبادة وشكر لله على نعمه.
كيف تستغل فضل العشر الاوائل من ذي الحجة 2026؟
إن المعرفة بفضل العشر الاوائل من ذي الحجة تستلزم تحويل هذه المعرفة النظرية إلى واقع عملي معاش. فالوقت قصير لا يحتمل التسويف، والأجور مضاعفة لا يمكن تفويتها، وإليك دليلك العملي خطوة بخطوة لاستثمار هذه الأيام المباركة:
إحياء سنة التكبير والذكر (المطلق والمقيد)
الذكر هو شعار هذه الأيام وعنوانها الأبرز، وينقسم التكبير في هذه المدة إلى نوعين أساسيين يجب على كل مسلم معرفة أحكامهما لتطبيق السُنّة:
التكبير المطلق
وهو التكبير الذي لا يتقيد بوقت محدد ولا يعقب الصلوات بالضرورة، بل يشرع للمسلم أن يلهج به في كل مكان وزمان؛ في بيته، في طريقه إلى العمل، وفي السوق، وأثناء قضاء حوائجه اليومية. ويبدأ هذا التكبير من مغيب شمس آخر يوم من شهر ذي القعدة (أي مع دخول أول ليلة من ذي الحجة) ويستمر حتى آخر أيام التشريق (وهو اليوم الثالث عشر من ذي الحجة)، وقد كان من هدي الصحابة الكرام إحياء هذه السنة العظيمة؛ فقد روى الإمام البخاري تعليقاً: “كان ابن عمر وأبو هريرة رضي الله عنهما يخرجان إلى السوق في أيام العشر يكبران ويكبر الناس بتكبيرهما”. والمقصد من ذلك تذكير الغافلين وملء الفضاء العام بتوحيد الله وتعظيمه.
التكبير المقيد
وهو التكبير الذي يأتي عقب الصلوات المكتوبة (الفرائض) الجماعية مباشرة. ويبدأ هذا النوع لغير الحجاج من فجر يوم عرفة (التاسع من ذي الحجة) ويمتد حتى عصر اليوم الثالث عشر من ذي الحجة (آخر أيام التشريق)، وبذلك تكون عدة الصلوات التي يشرع التكبير خلفها ثلاثاً وعشرين صلاة.
أما صيغ التكبير المأثورة عن السلف الصالح والتي صحت الأدلة بها فمتعددة، وأشهرها وأصحها:
“الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد”
ويجوز تثليث التكبير في البداية كأن يقول: “الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله…” فكل ذلك واسع وصحيح عند أهل العلم والفقهاء لإظهار الفرح بـ فضل العشر الاوائل من ذي الحجة.
عبادة الصيام وصيام يوم عرفة
يُندب للمسلم صيام الأيام التسعة الأولى من ذي الحجة كعمل صالح عام تدخل تحت لواء المحبوبية الإلهية المذكورة في حديث ابن عباس. ولم يصح حديث صريح ينص على أن النبي صلى الله عليه وسلم صام هذه التسع كاملة بلفظ قاطع، بل وردت آثار تثبت وأخرى تنفي، والجمع الفقهي بينها أن الصيام داخل في عموم “العمل الصالح”، والصوم من أفضل الأعمال البدنية.
أما صيام اليوم التاسع وهو يوم عرفة، فهو سنة مؤكدة مستمرة، ولها فضل خاص كفيل بأن يمحو صحيفة الذنوب والخطايا الصغائر.
يا له من كرم إلهي وفيض رباني لا مثيل له! صيام يوم واحد يخلصك من تبعات الأخطاء والذنوب لعامين كاملين، وتجدر الإشارة هنا إلى أن هذا الفضل العظيم يخص المسلم غير الحاج؛ أما الحاج الواقف بعرفة، فالسنة في حقه الفطر ليتقوى على الدعاء والذكر والوقوف، اقتداءً بالنبي صلى الله عليه وسلم الذي أفطر في ذلك اليوم جهاراً أمام الناس. وعبر صيامه يتكامل لنا فهم حقيقة وفضل العشر الاوائل من ذي الحجة.
المحافظة على الفرائض والإكثار من النوافل
إذا كان العمل الصالح معظماً في هذه الأيام، فإن أولى الأعمال بالتعظيم والالتزام هي الصلوات الخمس المفروضة، فينبغي للمسلم أن يحرص على أدائها في وقتها مع الجماعة في المسجد بالنسبة للرجال، والخشوع التام فيها والتبكير إليها.
ثم يأتي دور النوافل والسنن الرواتب (الاثنتي عشرة ركعة اليومية)، وصلاة الضحى التي تعتبر صدقة عن سائر مفاصل الجسد، وقيام الليل ولو بركعات يسيرة في جوف الليل الآخر، حيث يتنزل ربنا تبارك وتعالى تنزلاً يليق بجلاله فيقول: “هل من سائل فأعطيه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟”.
الإنفاق، والصدقات، وتفريج الكربات
تكتسب الصدقة في عشر ذي الحجة أبعاداً إنسانية وإيمانية عميقة، فالإنفاق في زمن شريف يضاعف الثواب ويقرب العبد من ربه، فحاول عزيزي القارئ أن تخصص مبلغاً يومياً ثابتاً -ولو كان يسيراً- للصدقة خلال هذه الأيام لتلامس بركة الأيام. يمكنك المساهمة في كفالة الأيتام، إطعام الطعام، سقاية الماء، أو المساهمة في سداد ديون الغارمين وتفريج كرب الأسر المتعففة التي تستقبل العيد بحاجة وضيق.
قراءة القرآن وتدبر آياته
القرآن الكريم هو حبل الله المتين، وقراءته من أفضل القربات، وضع لنفسك هدفاً واقعياً في هذه العشر، كختم القرآن الكريم كاملاً (بمعدل ثلاثة أجزاء يومياً)، أو على الأقل تخصيص ورد تدبري مكثف تقف فيه عند معاني الآيات وتعمل بمقتضاها، لتنال نور الهداية والبركة وتستشعر عظمة الزمان.
ماذا كان يفعل السلف في العشر الأوائل من ذي الحجة؟
كان السلف الصالح يعظمون هذه الأيام تعظيمًا كبيرًا، فكانوا يكثرون الذكر، ويجتهدون في العبادة، ويحيون الليل، ويكثرون الصدقة.
وكان سعيد بن جبير رحمه الله إذا دخلت العشر اجتهد اجتهادًا شديدًا حتى لا يكاد يقدر عليه.
في الختام، نجد أن فضل العشر الاوائل من ذي الحجة من أعظم فضائل الأيام التي منَّ الله بها على عباده، فهي موسم للطاعة ومضاعفة الأجر والتقرب إلى الله بالأعمال الصالحة، وقد عظَّمها الله في القرآن الكريم، وبيَّن النبي ﷺ مكانتها في أحاديثه الصحيحة، مما يدل على شرفها وعلو قدرها.
فاحرص على اغتنام هذه الأيام المباركة بالإكثار من الذكر والصلاة والصيام والصدقة والدعاء، واجعلها فرصة صادقة لتجديد الإيمان وفتح صفحة جديدة مع الله، فرب عملٍ صغير في هذه الأيام يكون سببًا في مغفرة الذنوب ورفعة الدرجات.
المصدر













