القران الكريم

تفسير سورة الفجر وأسرارها

تعرف على أسرار سورة الفجر وتفسيرها

تفسير سورة الفجر وأسرارها

تُعد تفسير سورة الفجر من أكثر الموضوعات التي تشغل قلوب المسلمين، لما تحمله هذه السورة المباركة من معاني عظيمة تجمع بين الترهيب والترغيب، والتذكير بقدرة الله، وبيان مصير الطغاة، ثم ختامها المهيب بنداء النفس المطمئنة الذي يُعد من أعظم النداءات في القرآن الكريم.

فسورة الفجر هي رسالة إيمانية توقظ القلب من الغفلة، وتعيد ترتيب علاقة الإنسان بربه وبالدنيا وبالآخرة، وقد جاءت آياتها مليئة بالمشاهد المؤثرة التي تجعل القارئ يعيش بين الخوف والرجاء، وبين التفكر في مصير الأمم السابقة، والتأمل في حال النفس الإنسانية.

سنأخذك في هذا المقال في رحلة شاملة حول تفسير سورة الفجر وأسرارها، مع شرح الآيات شرحًا مبسطًا وعميقًا، وذكر أقوال المفسرين، والاستناد إلى القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة.

سورة الفجر مكتوبة 

                                        بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

﴿وَالْفَجْرِ ۝ وَلَيَالٍ عَشْرٍ ۝ وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ ۝ وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ ۝ هَلْ فِي ذَٰلِكَ قَسَمٌ لِّذِي حِجْرٍ ۝ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ ۝ إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ ۝ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ ۝ وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ ۝ وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ ۝ الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ ۝ فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ ۝ فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ ۝ إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ ۝ فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ ۝ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ ۝ كَلَّا ۖ بَل لَّا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ ۝ وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَىٰ طَعَامِ الْمِسْكِينِ ۝ وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَّمًّا ۝ وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا ۝ كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا ۝ وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا ۝ وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ ۚ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ وَأَنَّىٰ لَهُ الذِّكْرَىٰ ۝ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي ۝ فَيَوْمَئِذٍ لَّا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ ۝ وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ ۝ يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ۝ ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً ۝ فَادْخُلِي فِي عِبَادِي ۝ وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾.

تفسير سورة الفجر وأسرارها

بطاقة تعريفية بسورة الفجر

قبل أن نبدأ في تفصيل تفسير سورة الفجر، من المهم أن نتعرف على هذه السورة الكريمة من حيث سياقها النزولي وخصائصها العامة:

سورة الفجر مكية بإجماع المفسرين، وعدد آياتها 30 آية، وهي السورة رقم 89 في ترتيب المصحف، وتأتي في الجزء الثلاثين (جزء عم) بعد سورة الغاشية وقبل سورة البلد.

محور السورة الرئيسي هو التركيز على العقيدة، وإثبات الجزاء والبعث، وذكر مصارع الأمم الطاغية للعبرة، وتصحيح الموازين والقيم الإنسانية تجاه المال والرزق، وختامها ببيان مصير النفس المطمئنة.

سبب نزول سورة الفجر وفضلها في السنة النبوية

ذكر علماء التفسير والمحققون أن السور المكية في الغالب ما تنزل لمعالجة قضايا العقيدة الكلية وترسيخ الإيمان في قلوب العصبة المؤمنة الأولى، ولم يرد في كتب الحديث أثر صحيح يسند سبباً واحداً لنزول السورة بأكملها، ولكن وردت آثار في بعض آياتها سنذكرها في موضعها.

أما عن فضل السورة، لم يثبت حديث صحيح يخص سورة الفجر بفضل معين منفرد، لكن السورة داخلة في فضل القرآن الكريم عمومًا، ومن أعظم ما يميزها أنها تحتوي على آيات مؤثرة تهز القلوب، خاصة ختامها المبارك ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ۝ ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً﴾، وقد كان السلف يتأثرون جدًا عند سماع هذه الآيات لما فيها من رحمة وسكينة وطمأنينة.

سبب تسمية سورة الفجر

سُميت بهذا الاسم لأن الله تعالى افتتحها بالقسم بالفجر، فقال سبحانه: ﴿وَالْفَجْرِ ۝ وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾.

والفجر وقت عظيم تتجلى فيه قدرة الله تعالى، فهو انتقال من الظلام إلى النور، ومن السكون إلى الحركة، ولذلك حملت السورة في طياتها معاني اليقظة والهداية والانتباه.

وقد رأى بعض أهل العلم أن افتتاح السورة بالفجر يحمل إشارة إلى أن نور الإيمان يمحو ظلام الغفلة كما يمحو الفجر ظلام الليل.

أقسام سورة الفجر ومقاصدها الإيمانية

لتسهيل فهم وتفسير سورة الفجر، يمكننا تقسيم السورة إلى أربعة محاور رئيسية مترابطة:

  1. القسم الإلهي بالمخلوقات والآيات الزمانية (الآيات 1 – 5).

  2. الاعتبار بمصارع الطغاة والأمم السابقة (الآيات 6 – 14).

  3. الابتلاء بالخير والشر وتصحيح مفهوم الرزق (الآيات 15 – 20).

  4. أهوال يوم القيامة ومصير النفس المؤمنة والنفس العاصية (الآيات 21 – 30).

تفسير سورة الفجر والقسم الإلهي بالزمن 

يقول الله تبارك وتعالى في مطلع السورة: {وَالْفَجْرِ (1) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (2) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (3) وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ (4) هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِّذِي حِجْرٍ (5)}.

معنى {وَالْفَجْرِ}

يقسم الله عز وجل بالفجر، وهو الوقت الذي ينفلق فيه نور الصباح ويبدد ظلام الليل، والفجر هنا قد يعود على عموم الفجر في كل يوم، لما فيه من تجدد الحياة وانبعاث الحركة، وهو وقت صلاة الفجر المشهودة التي قال عنها الله: {إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا}، وقال بعض المفسرين كابن عباس إن المراد به فجر يوم النحر خاصة، أو فجر أول يوم من المحرم، ولكن العموم أصح وأشمل.

أسرار {وَلَيَالٍ عَشْرٍ}

اختلف المفسرون في تحديد هذه الليالي العشر على أقوال، أصحها وأقواها عند جمهور المفسرين (مثل ابن كثير والطبري) أنها العشر الأوائل من ذي الحجة، والدليل على عظم هذه الأيام من السنة النبوية ما رواه ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر، قالوا: يا رسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء» (رواه البخاري).

وقيل في أقوال أخرى إنها العشر الأواخر من رمضان، أو العشر الأول من محرم، لكن السياق وجمهور العلماء يرجحون عشر ذي الحجة لما فيها من مناسك الحج ويوم عرفة.

مفهوم {وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ}

الشفع هو الزوج (العدد الزوجي)، والوتر هو الفرد (العدد الفردي)، وفي تفسير هذه الآية أقوال متعددة لعلماء التفسير:

  • القول الأول هو أن الشفع هو الخلق كلهم (لأن الله خلقهم أزواجاً: {وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ})، والوتر هو الله الواحد الأحد الذي لا شريك له، وهذا منقول عن ابن عباس ومجاهد، وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنَّ اللهَ وِتْرٌ يُحِبُّ الوِتْرَ» (متفق عليه).

  • القول الثاني هو أن الشفع هو يوم النحر (العاشر من ذي الحجة) لأنه زوج، والوتر هو يوم عرفة (التاسع من ذي الحجة) لأنه فرد، وهذا يتناسب جداً مع القسم بالليالي العشر.

  • القول الثالث هو أن الصلوات المكتوبة؛ منها ما هو شفع كالظهر والعصر والمغرب والعشاء (باعتبار النوافل أو الركعات الثنائية والرباعية)، والوتر كصلاة المغرب (وتر النهار) وصلاة الوتر في الليل.

معنى {وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ}

أي والليل إذا يمضي ويسير ذاهباً، أو مقبلاً ومستمرًا في حركته المعتادة التي قدرها الله له، وهذا التغير من الظلام إلى النور ومن النور إلى الظلام هو من أعظم الآيات الدالة على تدبير الخالق سبحانه وتعالى وعظمته.

{هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِّذِي حِجْرٍ}

الحِجْر في اللغة هو العقل واللب، وسُمي العقل حجراً لأنه يحجر صاحبه ويمناه عن ارتكاب القبائح والوقوع في المهالك، والمعنى: هل في هذا القسم البليغ بهذه المخلوقات العظيمة مقنع وصاحب حجة لمن كان له عقل يتدبر ويتفكر؟ الإجابة نعم، إنها أقسام كافية لبيان صدق ما جاء به الرسول وتأكيد وقوع الجزاء.

الاعتبار بمصارع الأمم الطاغية

ينتقل بنا السياق القرآني في تفسير سورة الفجر من الآيات الكونية والزمانية إلى السنن التاريخية والاجتماعية، حيث يذكر الله تعالى ثلاثة نماذج من الأمم التي بلغت ذروة القوة المادية ولكنها طغت وتكبرت، فكان عاقبتها الهلاك والتدمير ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (6) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (7) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (8) وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ (9) وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ (10) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (11) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (12) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (13) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (14)﴾.

الأمة الطاغية مظهر القوة والتميز المادي عاقبة الطغيان والفساد
عاد (إرم) أصحاب طول فارع، وبناء القصور والبيوت المرفوعة على أعمدة ضخمة لم يُخلق مثلها في القوة والشدة. أرسل الله عليهم ريحاً صرصراً عاتية دمرتهم.
ثمود قوم صالح الذين قطعوا ونحتوا الصخور والجبال بالواد (وادي القرى) ليتخذوا منها بيوتاً آمنة. أخذتهم الصيحة والرجفة فأصبحوا في ديارهم جاثمين.
فرعون صاحب الأوتاد (الجيوش العظيمة، أو الأبنية الشاهقة والأهرامات، أو المزامير التي يثبت بها ملكه). أغرقه الله وجنوده في اليم وجعلهم عبرة للعالمين.

تفسير الآيات بالتفصيل

  • {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ} الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ولكل من يقرأ القرآن، والرؤية هنا رؤية علم وتدبر ويقين وليست رؤية عين، وعاد هم قوم نبي الله هود عليه السلام.

  • {إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ} “إرم” هي القبيلة أو المدينة القديمة التي ينتمون إليها، و”ذات العماد” أي أصحاب الأبنية الرفيعة والأعمدة الشاهقة، وكانوا ذوي بسطة في الخلق وقوة مفرطة، كما قالوا في سورة فصلت: {مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً}.

  • {الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ} أي لم يخلق الله مثل هذه القبيلة أو الأمة في شدة البطش والقوة وطول القامة في زمانهم.

  • {وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ} وثمود هم قوم نبي الله صالح عليه السلام، ومعنى “جابوا” أي قطعوا ونحتوا صخور الجبال بقوة خارقة ليتخذوا منها مساكن في الأودية، وهي آثارهم الباقية في “مدائن صالح” ليرى الناس مدى قوتهم المادية.

  • {وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ} فرعون الطاغية المعروف في زمن موسى عليه السلام، ووُصف بـ “ذي الأوتاد” لأن ملكه كان راسخاً بالأجناد والجيوش الذين يثبتون له حكمه، وقيل الأوتاد هي الأبنية الشاهقة التي بناها، وقيل كان يعذب الناس بربطهم بالأوتاد في الأرض.

  • {الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ} هذا هو السبب الحقيقي لدمارهم؛ فالقوة المادية ليست عيباً في ذاتها، ولكن العيب والطامة الكبرى حين تتحول القوة إلى طغيان (تجاوز الحد في الظلم والاعتداء وعصيان الله) ونشر الفساد والظلم بين العباد.

  • {فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ} التعبير بـ “صب” يدل على غزارة العذاب وتواليه وسرعته، و”السوط” يرمز للإهانة والألم الشديد، فكان عذاب الله مستأصلاً لهم.

  • {إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ} هذه الآية العظيمة هي قاعدة إيمانية تهز قلوب الظالمين وتثلج صدور المظلومين، فالمرصاد هو المكان الذي يترصد فيه الرقيب لخطوات المارين، والمعنى أن الله جل وعلا يرقب أعمال العباد كلهم، لا يخفى عليه شيء، ويمهل الظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، كما جاء في الحديث الصحيح: «إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته» ثم قرأ: {وَكَذَٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَىٰ وَهِيَ ظَالِمَةٌ ۚ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} (رواه البخاري).

الابتلاء بالخير والشر وتصحيح الموازين

في هذا الجزء من تفسير سورة الفجر، يلتفت النص القرآني الحكيم إلى طبيعة النفس البشرية القاصرة في تقييم الأمور، ويعالج فكرة “الابتلاء” بالمال والفقر، وكيف يخطئ الإنسان في فهم الحكمة الإلهية من وراء العطاء والمنع: {فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (15) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (16) كَلَّا ۖ بَل لَّا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (17) وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَىٰ طَعَامِ الْمِسْكِينِ (18) وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَّمًّا (19) وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا (20)}

الميزان البشري الخاطئ مقابل الميزان الإلهي الحق

الإنسان بطبعه السطحي يظن أن كثرة الأموال وتوفر النعم المادية دليل على رضا الله وحبه له ({فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ})، ويظن أن التضييق في الرزق والفقر وقلة الإمكانيات دليل على بغض الله له وإهانته ({فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ}).

يأتي الرد الحاسم القاطع من الله تعالى بكلمة واحدة زاجرة: {كَلَّا}! أي ليس الأمر كما تظنون! العطاء في الدنيا ليس دليلاً على الرضا، والمنع ليس دليلاً على السخط والإهانة، وإنما الدنيا دار ابتلاء واختبار:

  • الله يعطي المال والنعم ليعلم هل يشكر العبد أم يكفر؟

  • الله يضيق الرزق ويمنع ليعلم هل يصبر العبد أم يسخط؟

فكم من غني منعم وهو ساقط من عين الله (مثل قارون وفرعون)، وكم من فقير مضيق عليه وهو من أولياء الله المقربين، وفي الحديث الشريف: «رُبَّ أشْعَثَ مَدْفُوعٍ بالأبْوَابِ لو أقْسَمَ علَى اللهِ لأبَرَّهُ» (رواه مسلم).

ذم السلوكيات الاجتماعية السيئة وأثر الجشع

بعد أن صحح الله المفهوم، بين سبحانه وتعالى الأسباب الفعلية التي تجلب المقت والإهانة للإنسان، وهي صفات الجشع والبخل وظلم الضعفاء:

  • {بَل لَّا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ} اليتيم هو من فقد أباه وهو صغير، وبحاجة للرعاية النفسية والمادية، وعدم إكرامه وإهماله دليل على قسوة القلب والبعد عن منهج الله.
  • {وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَىٰ طَعَامِ الْمِسْكِينِ} أي لا يحث بعضكم بعضاً ولا يشجع المجتمع نفسه على إطعام الفقراء والمساكين، وهذا يعكس غياب التكافل الاجتماعي والأنانية المفرطة.
  • {وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَّمًّا} التراث هو الميراث، ومعنى “أكلاً لماً” أي أكلاً شديداً جامعاً يخلط فيه الآكل بين حقه وحق غيره، فلا يبالي أكان المال من حلال أم من حرام، وكانوا في الجاهلية لا يورثون النساء ولا الأطفال الصغار ويأخذون حقوقهم.
  • {وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا} أي تحبون جمع المال واكتنازه حباً شديداً مفرطاً يشغلكم عن طاعة الله وعن أداء الحقوق الواجبة فيه كالزكاة والصدقات.

أسرار سورة الفجر والدروس المستفادة منها

إن التدبر في تفسير سورة الفجر يفتح للمسلم آفاقاً واسعة لاستخراج الأسرار والحكم والفوائد السلوكية التي تعينه على الاستقامة، ومن أبرز هذه الأسرار:

سر الروابط الزمانية والعبادة

إقسام الله بالفجر والليالي العشر والليل يوضح للمسلم أهمية “الزمن” في المنظور الإسلامي، فالأوقات ليست مجرد ساعات تمر، بل هي أوعية للأعمال الصالحة، وفجر كل يوم هو بداية جديدة وفرصة للتوبة والتقرب إلى الله وصلاة الفجر هي مقياس الالتزام الإيماني.

سر مصارع الطغاة (التاريخ كمعلم)

تؤكد السورة أن الحضارة المادية والتقدم التكنولوجي والعمراني (مثل نحت الجبال وبناء الأعمدة والأوتاد) لا يحمي الأمة من الهلاك إذا غاب الميزان الأخلاقي وانتشر الظلم والطغيان، فالتاريخ يعيد نفسه، ومن ابتعد عن منهج الله لقى نفس المصير.

سر الابتلاء بالمال

علمتنا الآيات سراً خطيراً في التربية المالية والنفسية، وهو أن المال وسيلة للاختبار وليس غاية، والفقر ليس عقوبة بل قدر ومحنة تخرج عبودية الصبر، وعلى المسلم الحذر من حب المال حبًا جماً يمنعه من إعانة اليتامى والمساكين وبسط يد التكافل.

سر السكينة والطمأنينة

الوصول إلى رتبة “النفس المطمئنة” لا يأتي بالراحة الكسولة، بل يأتي بمجاهدة النفس في الدنيا، والرضا بالقضاء والقدر خيره وشره، وكف الأيدي عن أكل حقوق الناس (التراث).

الأسئلة الشائعة حول تفسير سورة الفجر

ما هي الليالي العشر المقسم بها في السورة؟

الرأي الأصح لجمهور المفسرين بإسناد صحيح عن الصحابة والتابعين أنها الأيام العشر الأولى من شهر ذي الحجة العظيم، لما لها من فضل ومناسك دينية عظيمة، وقيل هي العشر الأواخر من رمضان.

ماذا تعني “إن ربك لبالمرصاد”؟

تعني أن الله عز وجل يراقب ويتابع تصرفات العباد بدقة، ولا يغيب عنه ظلم ظالم ولا سعي مصلح، وهو يمهل للظالمين لكنه لا يهملهم، وسوف يحاسبهم بالعدل والقسط.

من هي النفس المطمئنة المذكورة في الختام؟

هي نفس المؤمن المخلص الذي عاش مطمئن القلب بذكر الله، راضياً بأقداره، ثابتاً على العقيدة الصحيحة، وتتلقى هذه النفس البشرى والترحيب من الملائكة الكرام عند الموت ويوم القيامة.

في الختام، وبعد أن تعرفنا سويًا مع تفسير سورة الفجر، ندرك تماماً أن هذه السورة الكريمة بمثابة جرس إنذار وبشارة في آن واحد. إنها توقظ القلوب الغافلة بذكر أهوال القيامة ومصارع الغابرين، وفي الوقت نفسه تفتح طاقة من الأمل والسكينة للمؤمنين الصابرين الذين يسعون لتزكية نفوسهم لتكون مطمئنة راضية مرضية.

نسأل الله العلي القدير أن يجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وجلاء أحزاننا، وأن يجعلنا وإياكم ممن يُقال لهم يوم القيامة: {فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي}.

إذا أعجبكم المقال ووجدتم فيه الفائدة العلمية، يسعدنا مشاركته لتعم الفائدة والدال على الخير كفاعله.

المصدر

1 ، 2 ، 3 ، 4 ، 5

زر الذهاب إلى الأعلى
Index