ساعة الصلاة من أثمن ما يملك المؤمن في يومه، فهي ميزان الإيمان، وعهد العبودية، ومن بين الصلوات الخمس تبقى صلاة العشاء حاملة لخصوصية زمانية وروحية، ويُطرح حولها سؤال يتردد كثيرًا في مجالس العلم وواقع الناس: متى تكون صلاة العشاء قضاء؟.
ولمعرفة متى تكون صلاة العشاء قضاء، أعددنا لك هذا المقال، وسنجيب على كل الموضوعات المتعلقة حول هذا السؤال، فتابعوا معنا القراءة ولا تنسوا أن تشاركوا المقال مع من تحبون، فالدال على الخير كفاعله، لعل غيرك يستفيد.
متى تكون صلاة العشاء قضاء؟
ما معنى القضاء في الصلاة؟
لفهم متى تُعدُّ صلاة العشاء قضاء، لا بد أن نعي أولًا معنى القضاء، فالقضاء في اللغة هو الفراغ من الشيء، ويقال: قضيت الصلاة أي أتيت بها بعد وقتها، أما اصطلاحًا تعني أداء الصلاة بعد خروج وقتها المحدد شرعًا، سواء لعذر أو من غير عذر، وقد اتفق الفقهاء على أن من فاتته الصلاة في وقتها، وجب عليه أن يقضيها، إلا ما استثني من النوافل.
متى يدخل وقت صلاة العشاء ومتى يخرج؟
المفتاح الأول لمعرفة القضاء هو معرفة الوقت الشرعي للصلاة، فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال: “وقتُ العِشاءِ إلى نِصفِ اللَّيلِ الأَوسطِ” [رواه مسلم].
وبذلك نعلم أن وقت العشاء يبدأ بمغيب الشفق الأحمر، أي بعد نهاية وقت المغرب مباشرة، ويمتد إلى منتصف الليل الشرعي، وليس إلى الفجر كما يظن بعض الناس.
ما هو منتصف الليل الشرعي؟
يُحسب منتصف الليل الشرعي من غروب الشمس إلى طلوع الفجر، ويُقسم المدة على اثنين، فلو كانت الشمس تغرب الساعة 6:00 مساءً، والفجر يطلع الساعة 4:00 صباحًا، فمنتصف الليل يكون الساعة 11:00 مساءً، ومن أخر الصلاة بعد هذا الوقت بلا عذر، كانت عليه قضاءً لا أداءً.
متى تكون صلاة العشاء قضاء؟
تُعتبر صلاة العشاء قضاءً في الحالات الآتية:
- إذا صلَّاها بعد منتصف الليل من غير عذر، وهذا هو الضابط الفقهي المتفق عليه بين جمهور العلماء، وبه قال المالكية والشافعية والحنابلة: “أن وقت العشاء ينتهي عند منتصف الليل، وبعده لا يكون أداءً، بل قضاءً، إلا لعذر”، وقد نصَّ ابن قدامة في “المغني” على ذلك قائلًا: “ووقت العشاء ينقضي بمنتصف الليل، فإن أخَّرها عنه عامدًا بلا عذر، فقد أثم، ويجب عليه القضاء”.
-
النوم أو النسيان حتى بعد منتصف الليل، وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: أن النبي ﷺ قال: “مَن نَسِيَ صلاةً فلْيُصَلِّها إذا ذَكَرَها، لا كفارةً لها إلا ذلك” [رواه البخاري ومسلم]، فمن نام عن العشاء أو نسيها، ثم تذكَّرها بعد منتصف الليل أو حتى عند الفجر، فإنها تُصلَّى قضاءً، مع رفع الإثم عنه، وهنا نُفرِّق بين من أدرك الوقت وتعمد التأخير، ومن فاتته بعذر.
- الغفلة أو الانشغال غير المبرر، فمن علم بدخول الوقت، وتكاسل حتى خرج الوقت دون عذر شرعي كالنوم أو النسيان، كان آثمًا، وصلاته قضاء مع وِزر، وهذا خطر عظيم، فإن الصلاة أول ما يُحاسب عليه العبد.
هل يجوز تأخير صلاة العشاء إلى ما بعد منتصف الليل؟
نعم، يجوز تأخير صلاة العشاء إلى ما بعد منتصف الليل لأصحاب الأعذار فقط كالمريض، أو من كان يغلبه النوم، أو المرأة المرضع، أو من ينتظر جماعة، لكن التأخير بغير عذر مكروه بإجماع العلماء، بل يصل إلى الإثم عند بعضهم.
فعن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أنها قالت: “أعتمَ النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ ذاتَ ليلَةٍ حتَّى ذَهَبَ عامَّةُ اللَّيلِ، وحتَّى نامَ أَهْلُ المسجِدِ ثمَّ خرجَ فصلَّى وقالَ: إنَّهُ لَولا أَن أشقَّ علَى أُمَّتي”، فالنبي ﷺ كان يُراعي حال الناس، لكن لم يكن يؤخرها أبدًا إلى ما بعد منتصف الليل.
الفرق بين وقت الاختيار ووقت الضرورة
وقت الاختيار من مغيب الشفق الأحمر إلى منتصف الليل، أما وقت الضرورة (عند بعض الفقهاء) من منتصف الليل إلى طلوع الفجر، ويُعتبر قضاء مع العذر، والإمام النووي في “شرح مسلم”قال: “من صلَّى العشاء بعد نصف الليل بلا عذر، فهو قاضٍ آثم، لا تسقط عنه الفريضة، لكن أداها في غير وقتها”.
ماذا على من اعتاد تأخير صلاة العشاء بعد منتصف الليل؟
إن من داوم على تأخير العشاء حتى يخرج وقتها من غير عذر، فقد دخل في باب التهاون بالصلاة، وهو من أعظم أبواب التضييع، والله تعالى يقول في كتابه: “فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ ۖ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا” [سورة مريم، الآية 59]، وفسَّرها ابن مسعود: “لم يتركوها ولكن أخَّروها عن وقتها”، ولذلك يجب على المسلم التوبة من كل صلاة خرج وقتها عمدًا، وقضاؤها فورًا، والعزم على عدم تكرار ذلك.
هل الأفضل تقديم صلاة العشاء أم تأخيرها؟
ورد عن النبي ﷺ أنه كان يستحب تأخيرها إذا لم يشق على أمته، وكان يقول:
“لولا أنْ أشُقَّ على أُمَّتي؛ لأَمَرْتُهم بالسِّواكِ عندَ كُلِّ صَلاةٍ، ولأخَّرتُ العِشاءَ إلى ثُلُثِ اللَّيلِ الأوَّلِ” [رواه الترمذي]، ولكن بشرط أن لا يخرج الوقت (أي أن تكون قبل منتصف الليل)، وأن لا تفوت الجماعة في المسجد.
صلاة العشاء جماعة وتأثيرها على الحكم
من السنن العظيمة أن تُصلّى العشاء في جماعة، وقد ورد فيها فضل خاص: “مَن صَلَّى العِشَاءَ في جَمَاعَةٍ فَكَأنَّما قَامَ نِصْفَ اللَّيْلِ” [رواه مسلم]، فمن صلَّى مع الجماعة في وقتها، فلا إثم عليه، أما من فاتته الجماعة وتكاسل حتى خرج الوقت، فعليه القضاء.
أقوال المذاهب الأربعة في وقت العشاء والقضاء
- يرى الحنفية أن وقت العشاء يمتد إلى طلوع الفجر الصادق، أي أن الصلاة بعد منتصف الليل لا تُعد قضاءً عندهم، بل أداءً مع الكراهة، فالإمام الكاساني قال في بدائع الصنائع: “ووقت العشاء يبدأ من غيبوبة الشفق ويمتد إلى طلوع الفجر، وتأخيرها إلى ما بعد نصف الليل مكروه تنزيهًا”، أي أنهم يُجيزون التأخير دون اعتبارها قضاءً، لكنهم لا يحبذونه إلا لعذر.
-
المالكية يرون أن وقت العشاء يمتد إلى ربع الليل فقط وقت اختيار، ثم يدخل وقت الضرورة حتى الفجر، بشرط وجود عذر، وقال الدردير في الشرح الكبير: “ووقت العشاء يمتد إلى ربع الليل، وما بعده إلى الفجر وقت ضرورة، فلا يُعذر من أخرها لغير عذر”.
-
أما الشافعية يرون أن وقت العشاء ينتهي بمنتصف الليل، وأي صلاة بعده تُعد قضاء، وقال النووي في روضة الطالبين: “من صلَّاها بعد نصف الليل بغير عذر، فصلاته قضاء لا أداء”.
- يرى الحنابلة كما الشافعية أن وقت العشاء ينتهي بمنتصف الليل، ولا يجوز تأخيرها بعده إلا لعذر، وقال ابن قدامة في المغني: “فإن أخَّرها إلى ما بعد نصف الليل بغير عذر فقد أتى بها قضاء، وأثم بالتأخير”
هذا الخلاف في التسمية (قضاء أم أداء) لا يُغني عن حقيقة أن التأخير بغير عذر مرفوض عند الجميع، وأن الإثم واقع في كل حال عند التهاون.
تأخير صلاة العشاء بسبب العمل أو الدراسة
في عصرنا قد يُؤخر البعض العشاء بسبب دوام العمل الليلي أو المحاضرات الجامعية أو وسائل المواصلات أو انشغال الأم بالأولاد أو المناسبات الاجتماعية، وهنا ينبغي التفريق إذا كان التأخير قبل منتصف الليل، فهو جائز بلا إثم، وإذا كان بعد منتصف الليل بعذر خارج عن الإرادة، فلا إثم مع لزوم القضاء، أما إذا كان بعذر متكرر دائم يمكن تنظيمه، فهنا يُلام العبد على تقصيره.
فيجب صلاة العشاء في أي فرصة متاحة قبل منتصف الليل، ولو في مكان خاص مع تقليل الأعذار المتكررة، فالنبي ﷺ: “أفضلُ الأعمالِ الصَّلاةُ لوقتِها” [رواه البخاري ومسلم].
الفرق بين من فاتته صلاة العشاء وبين من تركها عمدًا
من فاتته بنوم أو نسيان
هذا معذور، ويصليها قضاءً متى تذكَّر. وقد ورد في الحديث الصحيح: “إنَّ اللهَ تعالى وضع عن أُمَّتي الخطأَ ، والنسيانَ ، وما اسْتُكرِهوا عليه” [رواه ابن ماجه والدارقطني].
من تركها عمدًا حتى خرج الوقت
هذا عليه إثم شديد، بل ذهب بعض العلماء إلى أن من تعمد ترك الصلاة حتى خرج وقتها فقد كفر كفرًا أصغرًا أو أكبرًا، بحسب النية، قال ابن تيمية: “من ترك الصلاة عمدًا حتى خرج وقتها من غير عذر، فهو من أعظم الذنوب”، وقال ابن القيم: “تضييع الصلاة ليس مجرد تأخيرها، بل تركها حتى يخرج وقتها من علامات النفاق”.
أهمية صلاة العشاء
صلاة العشاء تختبر صدق العبد حين يجنّ الليل، ويأوي الناس إلى فراشهم، فهي صلاة الخلُص من العباد، الذين لا يراقبون الناس، بل يراقبون الله، ولذلك كان من أشدِّ ما يُظهر الإيمان في قلب المسلم هو محافظته على العشاء والفجر، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: “ليسَ صَلَاةٌ أثْقَلَ علَى المُنَافِقِينَ مِنَ الفَجْرِ والعِشَاءِ، ولو يَعْلَمُونَ ما فِيهِما لَأَتَوْهُما ولو حَبْوًا” [رواه البخاري ومسلم].
لماذا اختُبرنا بصلاة العشاء في الليل؟
صلاة العشاء جاءت في وقت الانشغال بالنفس، وهدوء الجو، وراحة الجسد، لتكون مقياسًا: هل تقدم طاعة الله على راحتك؟ هل تسجد قبل أن تنام؟، ولذلك قيل: “إذا أردت أن تعرف منزلتك عند الله، فانظر إلى مكان الصلاة في جدول يومك”، فمن جعلها أول أولوياته، جعل الله له البركة في يومه ونومه ورزقه.
الأسئلة الشائعة حول قضاء صلاة العشاء
هل تُقضى صلاة العشاء فقط في الليل؟
لا، بل يجوز قضاءها في أي وقت، لكن الأفضل عدم تأخيرها متى تذكَّر.
هل يُسن الجهر في قضاء العشاء؟
نعم، لأن العشاء من الصلوات الجهرية، فإن قُضيت في الليل أو النهار يُستحب الجهر بالقراءة.
هل يجوز جمع العشاء مع المغرب في حال المطر أو السفر؟
نعم، ويُعد الجمع تقديمًا أو تأخيرًا، حسب الحال، ولا يُعتبر قضاء في هذه الحالة.
🔸تأمل معي ماذا لو أتاك ملك الموت بعد منتصف الليل، ولم تكن صليت العشاء؟
ماذا لو قُبضت على غفلة؟، فالنبي ﷺ قال: “يُبْعَثُ كلُّ عبدٍ في القبرِ على ما ماتَ ، المؤمنُ على إِيمانِهِ ، والمُنافِقُ على نِفَاقِهِ“ [رواه مسلم]، فمن مات على صلاة، بُعث عليها. ومن مات مفرطًا، بُعث كذلك.
أفيكفيك أن تُبعث على إهمال، أو في صحيفة أعمالك خمسون عامًا من التهاون بالعشاء؟.
🔸اضبط منبهًا لتذكيرك قبل منتصف الليل بـ30 دقيقة، واجعل صلاة العشاء جزءًا ثابتًا من روتين النوم، وكذلك صلِّها جماعة إن أمكن، حتى لا تؤجلها، وذَكّر أهلك ومن حولك بها، واحذر من الجلوس الطويل أمام الشاشات بعد المغرب، واستشعر أنها آخر صلاة تُختم بها يومك.
في الختام، نكون قد عرفنا اجابة سؤال المقال متى تكون صلاة العشاء قضاء، ونجد أن صلاة العشاء إذا خرج وقتها فُرض عليك قضاءها، لكن لا تتوهم أن القضاء ترخيص، بل هو علاج لتقصير، فالمؤمن الصادق يحرص على الوقت كحرصه على روحه، ويستحيي من تأخير ميعاده مع ربه، ويفرح إذا أدى الصلاة في وقتها كمن أدى أمانة عظيمة، فالله تعالى يقول:”إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا” [سورة النساء، الآية 103]، فكن من أهل الميقات لا من أهل القضاء المتكرر، وإن فاتتك العشاء يومًا، فاجعلها آخر صلاة تفوتك.
المصدر