إعرف دينكالقران الكريم

(وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا…) تفسير وتدبر للآية

استكشف تفسير آية (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا...) والدروس المستفادة منها

Spread the love
(وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا…) تفسير وتدبر للآية

﴿ وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ (سورة الحشر، الآية 10) آية عظيمة في كتاب الله عز وجل تفيض بحقائق إيمانية ودروس تربوية غاية في العمق والسمو، وهي الآية العاشرة من سورة الحشر، التي نزلت في المدينة المنورة، وفيها تذكرة للمؤمنين بتربية قلوبهم على التسامح والتواضع، ودعاء لله تعالى بأن يرزقهم قلبًا نقيًا غير محمَّل بالضغائن ولا الأحقاد، سنستعرض هذه الآية الكريمة من خلال تدبر معاني كلماتها وعباراتها، ونفتح أبواب الفهم لنتعلم منها ما يعيننا على الاستقامة في حياتنا اليومية.

سياق نزول آية (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا…)

تأتي الآية في سياق حديث عن المؤمنين في صفوف الصحابة، الذين جاهدوا في سبيل الله وأصابوا في أعمالهم، ثم تذكر الآية من جاء بعدهم من المؤمنين، وتتوجه هذه الآية بالحديث إلى الأمة الإسلامية، وتمدح أولئك الذين جاءوا بعد الصحابة، وهم التابعون وأتباع التابعين، وخصهم بهذه الدعوة الجليلة.

لقد ورد في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ: “خيرُ القرونِ قرْني, ثمَّ الَّذين يلونَهم, ثمَّ الَّذين يلونَهم”، لذلك جاءت الآية تشيد بهؤلاء المؤمنين الذين يحملون في قلوبهم النية الطيبة، وهم يدعون الله تعالى بأن يغفر لهم ولإخوانهم الذين سبقوهم بالإيمان.

(وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا...) تفسير وتدبر للآية
(وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا…)

تفسير مفردات آية (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا…)

“وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ”

هؤلاء هم التابعون ومن بعدهم من الأمة الإسلامية، وقد قرنهم الله تعالى مع الصحابة في مدحهم، لأنهم كانوا قد آمنوا بعد الصحابة وكانوا يتحلون بالفضائل نفسها من الإيمان والتقوى.

“يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ”

إن طلب المغفرة من الله تعالى هو أحد ألوان العبادة التي يسعى المؤمن لتحقيقها، ونجد في هذه الآية الدعاء للمؤمنين من جيل الصحابة الذين سبقوا في الإيمان، وهذه دعوة عظيمة تُظهر التواضع والرغبة في رضا الله، حيث يُظهر المؤمنون حبهم لأخوانهم الذين سبقوهم بالإيمان، ولا يتمنون لهم إلا الخير.

“وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا”

تُعد هذه الدعوى من أسمى الدعوات في القرآن الكريم، فهي تدعو إلى تنقية القلوب من الغل والحقد على الآخرين، وتظهر أهمية طهارة القلب في الدين الإسلامي، فالمؤمن الحق هو من يُخلص لله تعالى ولإخوانه المؤمنين، ولا يحمل في قلبه أدنى مشاعر الحقد أو التنافس على الدنيا.

“رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ”

تأتي لتذكرنا بأسمائه الحسنى وصفاته “الرؤوف” و”الرحيم”، كما أنها دعاء لله تعالى بأن يرحم عباده وأن يكون رؤوفًا بهم في تجاوز أخطائهم، وتعتبر هذه الأسماء من أعظم الصفات التي تدل على عطف الله وحنانه ورحمته الواسعة التي تشمل جميع خلقه.

🟦يقول ابن كثير رحمه الله: “يُظهر القرآن في هذه الآية سمات المؤمنين الحقيقيين الذين يدعون الله أن يغفر لهم ولإخوانهم المؤمنين، ويُعلِّم المسلمين أن يتبعوا هذا الطريق من التواضع والنية الطيبة، مع التخلص من أي مشاعر سلبية تجاه الآخرين”.

🟦بينما يرى الإمام القرطبي أن هذه الآية تدعو إلى إزالة أي نوع من الأحقاد والتفرقة بين المسلمين، مشيرًا إلى أن التفاهم والتسامح هو ما يميز الأمة الإسلامية.

تأمل وتدبر آية (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا…)

الآية لا تُعد مجرد دعاء، بل إنها منهج حياة، ودستور قلبي لمن أراد أن يسلك طريق الإيمان بتجرده ونقائه، بعيدًا عن الأحقاد والضغائن وأمراض النفوس الخفية.

تأمل كيف يصور الله تبارك وتعالى حالَ المؤمنين الصادقين بعد ذكر المهاجرين والأنصار، فيأتي هذا الطراز الثالث من المؤمنين: “وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ“، أي كل من جاء بعد جيل الصحابة من التابعين وأتباع التابعين، بل وكل مؤمن إلى يوم القيامة سار على نهجهم، وكان قلبه ممتلئًا بحبهم، داعيًا لهم، متبرئًا من الحسد والغل والعداوة.

قال الحسن البصري رحمه الله: “هذه الآية نزلت في التابعين، وأحسن ما يكون في وصف المؤمن أن يحب أهل الإيمان ويبرأ من الغل عليهم”.

فالآية ترسم صورة القلب السليم، الذي لا يحمل حقدًا ولا حسدًا على من سبقه بالإيمان، فهو قلب لا يعرف الغل للمؤمنين، ولا الشماتة بسقوطهم، ولا الفرح بزلاتهم، ولا الترفع عليهم، بل يأنس بهم، ويفرح بصلاحهم، ويدعو لهم بالغفران كما يدعو لنفسه تمامًا.

ثم انظر إلى صياغة الدعاء: “رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ” لم يقل: “اغفر لنا أولًا” ثم “ولهم”، بل جعلنا وإياهم في سلك واحد من الاستغفار، دلالة على الأخوَّة الإيمانية الصافية، حيث لا يرى المؤمن نفسه خيرًا من غيره، ولا يجعل فضله حاجزًا عن الرحمة المشتركة.

ثم تأتي الوصية الأعمق: “وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا“، وهنا تُقرع القلوب، فالغل لا يُرى بالعين، لكنه يُفسد القلب كما يُفسد الصدأ الحديد، ويقتل الروح كما يقتل السم البدن، ولا يصاحبه نور ولا صفاء، ومهما بدا ظاهرك مستقيمًا، فإن الله يزن القلوب.

قال بعض السلف: “ما أُعطي عبد بعد الإسلام نعمةً أعظم من قلبٍ سليم”.

والله عز وجل هنا لا يمدح فقط من يدعو للصحابة، بل يمدح من تطهر قلبه من كل غلٍّ تجاه أهل الإيمان، فهو لا يحمل في قلبه إلا صفاء النية، وسلامة الصدر، لأن قلبه معلَّق بالآخرة، لا تستهويه دنيا ولا جاه.

ثم يُختَم الدعاء بقولهم: “رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ
يا لها من خاتمة تسكب الدفء على هذا الدعاء!، فالرأفة والرحمة اسمان لا يُذكران إلا عند مواطن الانكسار، وحاجة القلب إلى حضن الأمان، وكأن العبد يقول: يا رب، إن قلبي قد يضعف، وإن النفس أمارة، وإن الدنيا تزرع في القلب ما ليس منه، فارفق بنا، وارحمنا، وأكرمنا بأن لا تجعل في صدورنا إلا ما يُرضيك.

إنها آية تُربيك، لا تشرح لك فحسب.
تعلمك كيف تنظر لإخوانك بعين الرضا، لا المنافسة.
تعلمك أن القرب من الله لا يكون فقط بكثرة العمل، بل بنقاء القلب.
تعلمك أن تدعو لمن سبقك، لا أن تُسقطهم.
وأن تفرح بإيمانهم، لا أن تُقلل منهم.
وأن تدعو بالغفران، لا أن تتصيد الزلات.
وأن تحب لهم ما تحب لنفسك، لأنك لن تؤمن حقًا حتى تفعل ذلك.

قال ابن القيم رحمه الله: “إن القلب إذا سلم من الغل والحقد، صار موضع نظر الرحمن”، فاجعل هذه الآية وردًا في دعائك، ومرآة لقلبك، ومحرابًا تفتش فيه عن أمراضك الخفية، واسأل نفسك كلما قرأتها:
هل أنا حقًا من هؤلاء؟
هل أدعو لمن سبقني بالإيمان؟
هل أفرح لصلاح غيري؟
هل أطلب من الله أن ينزع ما في قلبي من غل؟
هل أنا ممن يحب الخير للمؤمنين حقًا؟

إنها آية تُبكي من فهمها، وتُطهِّر من تدبرها، وتُحيي قلب من عمل بها.

الدروس المستفادة من آية (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا…)

  • الدعاء للأخوة في الإيمان، فالمؤمنين الحقيقيين لا يقتصر دعاؤهم على أنفسهم فقط، بل هم دومًا يسعون لخير غيرهم من المؤمنين، والآية فيها دعوة للبعد عن الأنانية والتفكير في الآخرين، وتنقية القلوب من أي مشاعر سلبية، وأن الأمة الإسلامية لا تُبنى على الفردية بل على التعاون والتآخي، وتُظهر هذه الآية ذلك بجلاء، حيث يظهر المؤمنون تواضعهم ودعاؤهم للمغفرة لأخوتهم الذين سبقوهم بالإيمان.
  • تُذكرنا هذه الآية بأهمية تنقية القلب من الغل والحقد، والتخلص من مشاعر الغل والحقد التي قد تزعزع إيماننا وتقودنا إلى التنافس السلبي، فالله تعالى في هذه الآية يُظهر أن المؤمنين الصادقين هم الذين يحملون قلوبًا نقية غير محملة بالأحقاد أو الضغائن، وتعتبر هذه دعوة عظيمة للتهذيب الروحي والنفسي، وتحقيق حالة من السلام الداخلي التي تعزز من التواصل بين أفراد المجتمع المسلم.
  • لقد وصف الله تعالى نفسه في هذه الآية بـ الرؤوف والرحيم، وهي صفات تُحث المؤمنين على التحلي بهذه الصفات في تعاملاتهم مع الآخرين، فتجسد رحمة الله ورأفته معنا، وذلك ما يستحقه المؤمن الحقيقي، حيث يُظهر رحمته للآخرين ويحرص على أن يُؤَثِّر بالخير على من حوله.
  • أخوَّة الإيمان أرقى من أخوَّة الدم، فتأمل قوله: ﴿ ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ﴾، فرباط الأخوَّة هنا ليس النسب أو العِرق، بل الإيمان، وهو الرباط الذي يبقى حتى بعد الموت، وذلك يُعلِّمنا  أن علاقتنا بالمؤمنين السابقين هي علاقة مودة وولاء لا تزول.

  • الآية تربي على حسن الأدب مع السابقين من أهل الدين، واحترام وتوقير من سبقونا بالإيمان، وعدم التحقير أو الطعن فيهم، بل الدعاء لهم، وذكرهم بالجميل، كما أن الآية فيها رد على من يتجرؤون على سب الصحابة أو التابعين أو العلماء السابقين.

  • الدعاء للغير سبب في استجابة الدعاء للنفس، والنبي ﷺ قال: “دَعْوَةُ المَرْءِ المُسْلِمِ لأَخِيهِ بظَهْرِ الغَيْبِ مُسْتَجَابَةٌ، عِنْدَ رَأْسِهِ مَلَكٌ مُوَكَّلٌ كُلَّما دَعَا لأَخِيهِ بخَيْرٍ، قالَ المَلَكُ المُوَكَّلُ بهِ: آمِينَ وَلَكَ بمِثْلٍ” (رواه مسلم)، فهذه الآية أصل في هذا المعنى؛ إذ من دعا لإخوانه، نال مثل ما دعا لهم، وزيادة.

  • هذا الدعاء هو مفتاح لحياة القلب، فمن اعتاد أن يقول هذا الدعاء، ويستحضره بقلبه، سيجد أثرًا عجيبًا في نفسه صفاء صدر، وراحة بال، وانشراح قلب، ووقاية من الحقد والحسد، وحب للمؤمنين، وسلام داخلي، كما هناك إشارة إلى أن هذه الآية تصلح أن تكون وردًا يوميًا ثابتًا في أذكار المسلم.

تطبيقات لآية (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا…) في حياتنا

إن الدعاء لله سبحانه وتعالى هو أمر مستمر في حياة المسلم، لذا يجب على المؤمن أن يتذكر دوماً دعاءه لأخيه المسلم سواء كان قريبًا منه أم بعيدًا، فالدعاء ليس حالة من العبادة الفردية فقط، بل هو وسيلة لزرع الحب والتآخي بين المسلمين.

ويجب على المسلم أن يحاول أن يتخلص من أي مشاعر سلبية قد تسيطر عليه تجاه الآخرين، ولا بد أن يتحلى بمشاعر الحب والود تجاه من حوله من المؤمنين، وأن يسعى في زرع الطمأنينة والسكينة في قلبه، لكي يحظى بسلام داخلي وروحي.

عندما نُدرك أن الله تعالى هو الرؤوف والرحيم، يجب علينا أن نكون مثل الله في التعامل مع الآخرين، فالتعامل برحمة ورحمة النفس والتغاضي عن الأخطاء يساعد في بناء مجتمع قوي ومتماسك.

في الختام، إن آية ﴿ وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَوَلِإِخْوَانِنَا…﴾ تفتح لنا أبوابًا من النور والدروس الإيمانية العميقة التي تجذبنا إلى التسامح والتعاون والإيمان بأهمية الأخوة في الدين، كما أنها دعوة لطهارة القلب والنية، والسعي في الخير لرفع مستوانا الروحي، ومن خلال تدبر هذه الآية، ندرك أن القلوب الطاهرة والمشاعر النقية هي السبيل الأمثل لتحقيق سعادة الدنيا والآخرة.

المصدر

1

زر الذهاب إلى الأعلى
Index