
ما هي محظورات الإحرام؟
الإحرام هو أول مراحل الدخول في نسك الحج أو العمرة، وهو نية الدخول في العبادة المخصوصة مقرونة بالتجرد من المخيط وترك المحظورات التي نهى الله عنها أثناء هذا النسك العظيم، وحين يُحرم المسلم يدخل في حالة طهارة روحية وجسدية تستلزم منه التزامًا بأوامر الله وترك ما حرَّمه عليه خلال فترة الإحرام.
وقد بيَّن النبي ﷺ في سنته المطهَّرة ما يجب على المحرم اجتنابه حتى يكون نسكه صحيحًا، ومن هنا كان فهم محظورات الإحرام ضرورة لكل مسلم ومسلمة قصد بيت الله الحرام.
ما المقصود بمحظورات الإحرام؟
محظورات الإحرام هي الأمور التي يمنع المحرم من فعلها بعد عقد نية الإحرام سواء في الحج أو العمرة، وسُميت “محظورات” لأنها أمور كانت مباحة قبل الإحرام ثم حُظرت عليه أثناءه تعظيمًا لشعائر الله، كما قال تعالى: ﴿ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [سورة الحج، الآية 32]، فهي ليست محرَّمات في ذاتها، ولكنها تُمنع في أثناء العمرة والحج تعظيمًا للعبادة وحفاظًا على روحها ومعناها.
محظورات الإحرام
إزالة الشعر من أي جزء من الجسد
يحرم على المحرم إزالة شعر رأسه أو بدنه عمدًا؛ لأن الله تعالى قال:﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [سورة البقرة، الآية 196]، ويدخل في ذلك كل شعر يُزال بالحلق أو القص أو النتف، أما من سقط شعره بغير قصد أو نسيانًا، فلا شيء عليه، وذلك لقول الله تعالى:﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [سورة البقرة، الآية 286]، فالله لا يحاسب على النسيان أو الخطأ.
قص الأظافر
يُحرم على المحرم قص أظافره؛ لأنها في حكم إزالة الشعر من البدن، وقد نهى العلماء عن ذلك قياسًا على حلق الرأس، وقال ابن قدامة في المغني:“ويُمنع المحرم من أخذ شعره وأظفاره، فإن فعل فعليه فدية إذا كان عامدًا”.
التطيب بعد الإحرام
ثاني ما يُحرم على المحرم في العمرة أو الحج استعمال الطيب بعد عقد نية الإحرام سواء في بدنه أو ثيابه أو شعره، فعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: “أنَّ رَجُلًا كَانَ مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَليه وَسَلَّمَ مُحْرِمًا، فَوَقَصَتْهُ نَاقَتُهُ فَمَاتَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَليه وَسَلَّمَ: اغْسِلُوهُ بمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ في ثَوْبَيْهِ، وَلَا تَمَسُّوهُ بطِيبٍ، وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، فإنَّه يُبْعَثُ يَومَ القِيَامَةِ مُلَبِّدًا” (رواه البخاري ومسلم).
أما إذا تطيَّب قبل الإحرام، فلا حرج عليه، كما جاء عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: “كُنتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللهِ ﷺ لِإِحرَامِه قَبلَ أَن يُحرِمَ، وَلِحِلِّه قَبلَ أَن يَطوفَ بِالبَيتِ” (رواه البخاري).
لبس المخيط على البدن
يحرم على المحرم لبس ما فُصِّل على قدر الأعضاء كالقميص والسراويل والجوارب ونحوها، فقد ورد عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه قال: ” أنَّ رجلاً سألَ رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّه عليه وسلم ما يلبَسُ المحرمُ منَ الثِّيابِ ؟ قالَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّه عليه وسلم : لاَ تلبَسوا القُمُصَ ولاَ العمائمَ ولاَ السَّراويلاتِ ولاَ البرانِسَ ولاَ الخفافَ إلاَّ أحدًا لاَ يجدُ نعلينِ فليَلبسْ خُفَّينِ وليقطعْهُما أسفلَ منَ الْكعبينِ ولاَ تلبَسوا شيئًا مسَّهُ الزَّعفرانُ ولاَ الورْسُ”، أما المرأة فتبقى في ثيابها المعتادة غير متبرجة بزينة، دون أن تلبس النقاب أو القفازين كما ورد في الحديث: «لا تنتقب المرأة، ولا تلبس القفازين وهي محرمة» (رواه البخاري).
تغطية الرأس للرجل
من محظورات الإحرام تغطية الرأس بما يلاصقه من عمامة أو طاقية أو نحوها، لقوله ﷺ: «ولا العمامة» في حديث ابن عمر السابق، أما إن استظل المحرم بخيمة أو مظلة أو سقف السيارة، فلا حرج عليه، لأن النبي ﷺ ظلَّل عليه الصحابة وهو محرم كما في الصحيحين.
قتل الصيد البري أو الإعانة عليه
يُحرم على المحرم قتل الصيد البري، أو الإعانة عليه بالإشارة أو الدلالة، لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ ۚ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَٰلِكَ صِيَامًا لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ ۗ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ ۚ وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ﴾ [سورة المائدة، الآية 95]، فلا يجوز له الصيد ولا الأكل مما صِيد لأجله، لكن يجوز له صيد البحر كما قال تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ [سورة المائدة، الآية 96].
عقد النكاح أو الخطبة
يحرم على المحرم أن يعقد النكاح لنفسه أو لغيره، أو يخطب امرأة، فقد ورد عن عثمان بن عفان أن النبي ﷺ قال: «لا ينكِحُ المحرِمُ ولا يُنكِحُ ولا يخطُبُ ولا يُخطَبُ عليه» (رواه مسلم)، فالإحرام عبادة خالصة، ومقصدها التجرُّد لله، فلا يجتمع فيها عقد النكاح الذي هو من شؤون الدنيا.
الجماع ومقدماته
من أعظم محظورات الإحرام الجماع، لأنه يفسد النسك إذا وقع قبل التحلل الأول، وذلك لقول الله تعالى: ﴿فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [سورة البقرة، الآية 197]، والرفث هو الجماع ومقدماته من الكلام أو المباشرة، ويُحرم الرفث بما فيه من الجماع والتقبيل واللمس ودواعيه والكلام فيما يخص المواضيع الجنسية، فمن جامع قبل التحلل فسد حجه، وعليه أن يتمَّه ويفدي ببدنة، ويقضيه في عامٍ آخر.
الجدال والفسوق
من مقاصد الإحرام تهذيب النفس، ولهذا نهى الله تعالى عن الجدال والخصام والفسوق أثناء الإحرام، فقال: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [سورة البقرة، الآية 197]، فلا يجوز للمحرم أن يسب أو يخاصم أو يتكبر على الناس، لأن الإحرام عبادة روحية قبل أن يكون مظهرًا خارجيًا.
حكم ارتكاب محظورات الإحرام
من ارتكب شيئًا من محظورات الإحرام عامدًا فعليه الفدية حسب نوع الفعل، لقوله تعالى في جزاء حلق الرأس: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [سورة البقرة، الآية 196]، وقد قاس العلماء على ذلك بقية المحظورات، فقالوا:
-
إن كان الفعل فيه إتلاف نفس أو عضو (كقتل الصيد) فالفدية على قدره.
-
وإن كان محظورًا دون ذلك (كحلق الشعر أو التطيب) فالفدية: صيام ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين، أو ذبح شاة.
-
أما الجماع قبل التحلل فيفسد الحج وتجب البدنة والقضاء.
-
ومن فعله ناسيًا أو مكرهًا أو جاهلًا فلا شيء عليه.
الحكمة من محظورات الإحرام
شرع الله محظورات الإحرام لحِكمٍ جليلة منها:
-
تعظيم شعائر الله، بتجريد المسلم من الزينة والمظاهر الدنيوية.
-
تحقيق المساواة بين الغني والفقير، فلا يُعرف أحد بلباسه أو طيبه.
-
تهذيب النفس عن الشهوات والجدال.
-
تذكير العبد بيوم القيامة حين يُحشر الناس حفاة عراة متجردين إلا من أعمالهم.
فالإحرام ليس ثوبًا يُرتدى فحسب، بل حالة روحية يتطهَّر فيها القلب من التعلُّق بالدنيا.
محظورات الإحرام للنساء
-
التطيُّب بعد نية الإحرام، فلا يجوز للمرأة أن تضع العطر على بدنها أو ثيابها بعد الإحرام.
-
لبس النقاب أو البرقع، فيحرم على المحرمة أن تلبس النقاب أو البرقع.
-
لبس القفازين، أي تغطية اليدين بما فُصّل عليهما، ويجوز تغطيتهما بغير القفازين كالثوب ونحوه.
-
قص الشعر أو الأظافر عمدًا، فلا يجوز للمحرمة أن تأخذ من شعرها أو أظافرها أثناء الإحرام.
-
استعمال الطيب أو مواد التجميل ذات الرائحة، فلا تستعمل العطور أو الكريمات المعطِّرة أو الزيوت الطيبة.
-
الجماع أو مقدماته، فيحرم الجماع أو اللمس بشهوة أو التقبيل أثناء الإحرام.
-
قتل الصيد البري أو الإعانة عليه.
-
الفسوق والجدال والمخاصمة.
محظورات الإحرام للرجال
-
لبس المخيط على الجسم كله أو بعضه (كالقميص، والسروال، والعباءة، والعمامة، والبرنس).
-
تغطية الرأس بما يلاصقه (كالعمامة أو الطاقية أو الغترة).
-
استعمال الطيب في البدن أو الثياب بعد نية الإحرام.
-
إزالة الشعر من أي موضع في الجسم عمدًا.
-
تقليم الأظافر عمدًا.
-
قتل الصيد البري أو الإعانة على صيده.
-
عقد النكاح أو الخطبة.
-
الجماع أو مقدماته (كاللمس بشهوة أو التقبيل).
-
الجدال والفسوق والرفث (أي الكلام البذيء أو الجدال بغير حق).
الأسئلة الشائعة حول محظورات الإحرام
هل يجوز للمحرم وضع مزيل العرق؟
يجوز إن كان خاليًا من الطيب، لأن العبرة بالرائحة، لا بالوظيفة.
ما حكم لبس الكمامة أثناء الإحرام؟
يجوز، لأنها لا تُعد تغطية للرأس ولا المقصود بها الزينة.
هل يجوز تغطية الوجه للمرأة؟
يجوز لها ستر وجهها بغير النقاب، كأن تُسدل خمارها على وجهها إذا مر الرجال، فعن فاطمة بنت المنذر رضي الله عنها أنها قالت: “عن أسماءَ بنتِ أبِي بكرٍ رضيَ اللهُ عنهُما قالت كنا نُغطِّي وجوهَنا من الرجالِ وكنا نمشطُ قبل ذلك في الإحرامِ” (رواه أبو داود).
ماذا يفعل من تطيَّب بعد الإحرام نسيانًا؟
لا شيء عليه إن كان ناسيًا أو جاهلًا، فإن فعله عمدًا فعليه فدية على التخيير: صيام ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين، أو ذبح شاة.
في الختام، نجد أن محظورات الإحرام ليست قيودًا تُثقل العبد الذي نوى أداء العمرة أو الحج، بل هي ضوابط روحية تهدف لتصفية النفس وإعلاء قدر العبادة، فمن التزم بها تعظيمًا لأمر الله خرج من إحرامه كيوم ولدته أمه، ومن تجاوزها بجهل أو نسيان فالله غفور رحيم، كما أنها مدرسة لتربية القلب على الطاعة والانقياد، وتجريد النفس من زينة الدنيا طلبًا لرضا المولى سبحانه.
اللهم اجعل إحرامنا طاعة، وسعينا مغفورًا، وذنبنا مغسولًا، وحجَّنا مبرورًا، واجعل لنا من كل خطوةٍ نورًا وهُدىً وبركة.
المصدر













