إعرف دينكمواضيع تعبير دينية

ما هي أسرار اسم الله المقسط؟… (أسماء الله الحسنى)

ما هي أسرار اسم الله المقسط؟… (أسماء الله الحسنى)

يتجلى اسم الله المقسط في قلوب المؤمنين كأعظم برهان على كمال الربوبية وهيمنة العدل الإلهي على سائر الخلائق، فهو سبحانه القائم بالقسط في خلقه وأمره، المُنزه عن الظلم والجور في فعله وقضائه، فهل استشعرت يوماً تلك الطمأنينة التي تتنزل على قلبك حين تدرك أن موازين الأرض مهما مالت، فإن ميزان السماء مستقيم لا يتبدل؟ إن الإيمان باسم الله المقسط ليس مجرد معرفة ذهنية، بل هو توحيد ويقين بأن الله تعالى لا يضيع عنده مثقال ذرة، وأنه سبحانه الموفِّي لكل ذي حق حقه، والمنتصف للمظلوم من الظالم بفضله وعدله.

إن تتبع أسرار اسم الله المقسط في ضوء الكتاب والسنة يفتح للعبد أبواب الرضا والتسليم، فالمقسط هو الذي أقام ميزان الوجود بالحق، وشرع الشرائع بالعدل، وجعل الآخرة موعداً لجمع المظالم وإحقاق الحقوق، فدعونا نبحر في رحلة إيمانية، لنستكشف معاني هذا الاسم الجليل، وكيف أثبته سلف الأمة في دواوين الاعتقاد، وكيف نتمثل آثاره في عباداتنا ومعاملاتنا ليكون لنا حرزاً من الظلم ودليلاً إلى جنات النعيم.

ما معنى اسم الله المقسط؟

المحتوى :

المعنى اللغوي لاسم الله المقسط

لا يمكن فهم العظمة الإلهية دون ضبط اللسان العربي الذي نزل به القرآن، فاسم الله المقسط يحمل في طياته دلالات دقيقة تميزه عن غيره من الصفات.

كلمة “المقسط” تأتي من الفعل الرباعي “أقسط”، والمصدر “إقساط”، وهنا نجد إعجازاً لغوياً:

  • أقسط (الرباعي) تعني عدل وأزال الجور، ويُقال أقسط الحاكم إذا أنصف.

  • قسط (الثلاثي) تعني جار وظلم! ومنه قوله تعالى في سورة الجن: {وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا}، إذن اسم الله المقسط يعني مُزيل الجور، وهو الذي يأخذ الحق للمظلوم ويضع كل شيء في نصابه الصحيح بدقة متناهية.

المعنى الاصطلاحي لاسم الله المقسط

الله الذي يقيم العدل المطلق بين خلقه، في حكمه وقضائه، فلا يظلم أحدًا، ويعطي كل ذي حق حقه بدقة كاملة، في الدنيا والآخرة، وهذا المعنى يتضمن عدة حقائق:

  • أن العدل صفة ذاتية لله.
  • أن الظلم مستحيل في حقه.
  • أن كل ما يجري في الكون داخل في ميزان دقيق.

يُعرف الإمام الغزالي اسم الله المقسط بأنه: “الذي ينتصف للمظلوم من الظالم، وكماله في أن يضيف إلى إرضاء المظلوم إرضاء الظالم أيضاً، وذلك لا يقدر عليه إلا الله تعالى”، أما الخطابي فيرى أنه العادل في حكمه، المنزه عن الجور في فعله.

اسم الله المقسط في القرآن الكريم

رغم أن لفظ اسم الله المقسط لم يرد صريحًا في القرآن، إلا أن معناه تكرر في آيات كثيرة تؤكد على صفة العدل الإلهي.

حب الله للمقسطين

قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (سورة المائدة، الآية 42)، وقال تعالى أيضًا: ﴿وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (سورة الحجرات، الآية 9)، وهذا يدل على أن العدل من أحب الصفات إلى الله، وأن من يتخلق به يقترب من الله.

دقة العدل يوم القيامة

قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ (سورة الأنبياء، الآية 47)

هذه الآية من أعظم ما يبيِّن اسم الله المقسط، حيث لا يُظلم أحد، ولا يُهضم حق، ولا تضيع ذرة من العمل.

شهادة التوحيد والقسط

قال تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ (سورة آل عمران، الآية 18])، وهنا قرن الله وحدانيته بقيامه بالقسط، مما يوضح أن الكون لا يستقيم إلا بهذا الميزان.

اسم الله المقسط في السنة النبوية

ورد اسم الله المقسط صريحًا في الحديث الصحيح، قال النبي ﷺ: “إنَّ المُقسِطينَ عِندَ اللهِ على مَنابِرَ مِن نورٍ، عن يَمينِ الرَّحمَنِ عزَّ وجلَّ -وكِلتا يَدَيه يَمينٌ- الذينَ يَعدِلونَ في حُكمِهم وأهليهم وما وَلُوا” (رواه مسلم).

دلالات الحديث

  • شرف العدل وعلو منزلته.
  • ارتباط العدل بالقرب من الله.
  • أن العدل ليس فقط في القضاء، بل في كل جوانب الحياة.

روى الإمام مسلم في صحيحه عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: “قام فينا رسول الله ﷺ بخمس كلمات فقال: (إنَّ اللَّهَ لا ينامُ ولا ينبغي لَه أن ينامَ يخفضُ القسطَ ويرفعُه حجابُه النُّورُ لَو كشفَها لأحرقت سبحاتُ وجهِه كلَّ شيءٍ أدرَكَه بصرُه ثمَّ قرأ أبو عبيدةَ أن بورِك من في النَّارِ ومن حولَها وسبحانَ اللَّهِ ربِّ العالمين)”.

وخفض القسط ورفعه هنا يعني ميزان الأرزاق والآجال وأعمال العباد، فكل شيء عند اسم الله المقسط بمقدار.

الفرق بين اسم الله العادل و اسم الله المقسط في حق الله تعالى

يرى المحققون من أهل العلم أن لكل اسم من أسماء الله الحسنى دلالة خاصة، وبالرغم من تقارب المعنى بين العدل والقسط، إلا أن هناك فروقاً دقيقة:

العادل هو الذي يعطي الجزاء بناءً على العمل، فلا يظلم أحداً في حسابه، أما المقسط هو الذي يجمع بين العدل والفضل؛ فهو الذي ينتصف للمظلوم، بل ومن كمال إقساطه أنه قد يُرضي المظلوم من خزائن فضله حتى يعفو المظلوم عن ظالمه (في حال توبة الظالم)، وهذا من أسرار اسم الله المقسط العظيمة التي لا يقدر عليها إلا ملك الملوك.

أسرار اسم الله المقسط 

السر الأول (لا يوجد ظلم حقيقي في الكون)

قد يبدو هذا صادمًا، لكن الحقيقة الدقيقة لا يوجد ظلم مطلق في ميزان الله، بل كل شيء يجري بعدل، حتى ما نراه نحن ظلمًا.

كيف ذلك؟

لأن الإنسان يرى جزءًا من الصورة، بينما الله يرى الماضي والمستقبل، أو االظاهر والباطن، أو الأسباب والنتائج

السر الثاني (تأخير العدل جزء من العدل)

من أعظم أسرار اسم الله المقسط أن العدل لا يعني السرعة.

قال النبي ﷺ: “إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته”

فالتأخير قد يكون لإقامة الحجة، أو لزيادة العقوبة، أو لاختبار المظلوم.

السر الثالث (كل شيء محسوب بدقة مذهلة)

في ميزان الله الكلمة محسوبة، والنية محسوبة، والنظرة محسوبة.

قال تعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾، وهذا من أدق معاني اسم الله المقسط.

السر الرابع (العدل لا ينفصل عن الحكمة)

الله لا يعدل فقط، بل يعدل بحكمة، فقد يُؤخر حقك، ليعطيك أفضل منه، أو ليطهرك، أو ليرفع درجتك.

السر الخامس (عدل الله لا يتأثر بالمشاعر)

على عكس البشر، الله لا يغضب فيظلم، ويحب فيجور، بل عدله مطلق وثابت.

تجليات اسم الله المقسط في الكون والحياة

إن المتأمل في ملكوت الله يجد أن اسم الله المقسط هو الناموس الذي يحكم الوجود، ويمكننا رصد ذلك في عدة محاور:

القسط في خلق الإنسان والكون

انظر إلى ميزان الطبيعة؛ وتوزيع الجاذبية، وسرعة دوران الأرض، وتوازن الغازات في الهواء، فكل ذلك بتقدير الله المقسط، فلو زاد شيء أو نقص لفسد الكون، وفي خلقك أنت، جعل الله القسط في توزيع الحواس والأعضاء، {الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ} [سورة الانفطار، الآية 7].

القسط في التشريع 

لم ينزل الله شريعة تجور على حق إنسان، ففي المواريث، وفي القصاص، وفي الحقوق الزوجية نجد أثر اسم الله المقسط، فشريعته سبحانه تعطي كل ذي حق حقه بما يناسب خلقته ووظيفته في الحياة، دون محاباة أو جور.

القسط في الحساب والجزاء

هذا هو السر الأكبر؛ فالدنيا دار ابتلاء قد يظهر فيها الظلم، لكن اسم الله المقسط ادخر القسط التام ليوم القيامة: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ} [سورة الأنبياء، الآية 47].

كيف يغيِّر اسم الله المقسط حياتك؟

  • يمنحك طمأنينة عميقة، فحين تؤمن بـاسم الله المقسط لن تخاف من ضياع حقك، ولن تنهار أمام الظلم.
  • يجعلك عادلًا دون رقابة، لأنك تعلم أن الله يراك، ستعدل حتى في الخفاء.
  • يحررك من الرغبة في الانتقام بدلًا من قول: “سأنتقم” تقول: “الله سيعدل”.
  • يجعلك صبورًا بطريقة مختلفة ليس صبرًا سلبيًا، بل صبر واثق.
  • يزرع فيك المسؤولية في كل موقف.

كيف نتعبد لله باسم الله المقسط؟ (الآثار الإيمانية والسلوكية)

المعرفة باسم الله المقسط يجب أن تثمر عملاً في الجوارح واستقامة في السلوك:

إنصاف الخلق من النفس

المؤمن الحق هو من يكون مقسطاً في تعامله، فلا يحمله حبه لشخص على المحاباة، ولا بغضه لآخر على الظلم، ويقول الله تعالى: {وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَانُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ} [سورة المائدة، الآية 8]، فالإيمان باسم الله المقسط يجعلك تقول الحق ولو على نفسك.

الصبر عند وقوع الظلم

حين تدركين أن الله هو المقسط، سيهون عليك كل ظلم بشري، وستقول بلسان اليقين: “لي موعدٌ عند المقسط لا يضيع فيه حقي”، فهذا اليقين يطرد الغل والحقد من القلب ويجلب السكينة النفسية.

القسط في الدائرة الأسرية

أكد النبي ﷺ على القسط في التعامل مع الأبناء فقال: “اتَّقُوا اللَّهَ وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلادِكُمْ”، فالأب الذي يفضل ابناً على آخر يخالف مقتضى الإيمان باسم الله المقسط.

أسرار اسم الله المقسط في الدعاء والرقائق

إن لزوم الدعاء والتوسل باسم الله المقسط يفتح للعبد آفاقاً من الجبر الإلهي، فإذا كنت صاحب حق مسلوب، أو كنت في خصومة تخافين فيها الجور، فاهرع إلى الله المقسط.

علمنا مشايخنا أن العبد إذا تحقق باسم الله المقسط صار مباركاً أينما كان، فلا يظلم أجيراً، ولا يخون عهداً، ولا يطفف مكيالاً، بل يسعى دائماً لجمع الشمل وإصلاح ذات البين بالعدل.

الرد على شبهات حول العدل الإلهي

قد يتساءل البعض: “لماذا نرى الظلم في الأرض إذا كان الله هو المقسط؟”، والجواب من منهج أهل السنة أن الله تعالى جعل الدنيا دار ممر لا دار مقر، وجعل الظلم الواقع من العباد لبعضهم بعضاً فتنة وابتلاءً، ليظهر الصابر من الجازع، والمظلوم الذي يلجأ لربه من الذي ييأس. أما اسم الله المقسط فتجلى كماله في أنه يُمهل ولا يُهمل، وأنه جعل يوم القيامة هو يوم الفصل الذي تُرد فيه المظالم حتى للشاة الجماء من الشاة القرناء.

في الختام، إن الإبحار في معنى اسم الله المقسط هو رحلة للعودة إلى الفطرة السوية، فهو الاسم الذي يضبط إيقاع الكون، ويمنح الضعفاء أملاً، ويجعل الأقوياء يرتعدون خوفاً من الجور، وتمسكنا بهذا الاسم في حياتنا اليومية كفيل ببناء مجتمع متراحم، يسوده الإنصاف والفضل.

تذكر دائماً أن موازين الأرض قد تخطئ، وقد تُشترى، وقد تميل، لكن ميزان اسم الله المقسط قائم بالحق، لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، فاجعل من هذا الاسم شعاراً لعملك، ونوراً لقلبك، ودستوراً لبيتك.

المصدر

1 ، 2 ، 3 ، 4

زر الذهاب إلى الأعلى
المحتوى :
Index