
فضل ذكر لا إله إلا الله
هناك كلماتٌ تُقال فتُغيِّر مجرى العمر… كلماتٌ ليست من نسج الحروف، بل من نور السماء تسري في الروح سريان الماء في العود اليابس فتحييه، وتعيد للقلب نبضه بعد طول غفلة، ومن بين كل كلمات الدنيا تبقى كلمة “لا إله إلا الله” هي الكلمة التي إذا دخلت قلبًا أصلحته، وإذا حطَّت على روح أعادت إليها صفاءها، وإذا نطق بها لسانٌ مؤمنٌ صدقًا رفعت صاحبها إلى أعلى المقامات.
لا إله إلا الله هي الميثاق الأول الذي فُطِر عليه الإنسان، والرسالة التي حملها كل نبي، والباب الذي لا تُفتح أبواب الجنة إلا بمفتاحه، كما أنها الكلمة التي تسقط أمامها جبال الهم، وتُطفأ بها نار الذنب، ويُغسل بها القلب من كل خوفٍ أو ضياع.
وليس عجبًا أن تكون أفضل الذكر، وأثقل ما يوضع في الميزان، وأعظم ما يتحرك به اللسان؛ فهي تُقيم القلب على التوحيد، وترده إلى الله كلما تاه في دروب الدنيا.
سنقدم في هذا المقال فضل ذكر لا إله إلا الله، وتوضيح تجليات المعاني الإيمانية لهذا الذكر العظيم التي تجعل العبد يدرك لماذا كان هذا الذكر من أعظم ما قاله الأنبياء، وخلاصة رسالة الهدى عبر التاريخ.
ما معنى لا إله إلا الله؟ ولماذا هي أعظم كلمة؟
قد يظن بعض الناس أن معنى لا إله إلا الله بسيط، بينما هي في حقيقتها منهج حياة كامل، وإعلان تحرر القلب من كل تعلق بغير الله، كما أنها نفيٌ قاطع لوجود أي قوة تتصرف في الكون مهما كبرت إلا قدرة الله.
لا إله: أي لا معبود بحق، لا مُطاع طاعة مطلقة، لا مُتعَلَّق للقلب إلا الله.
إلا الله: إثبات أن الله وحده هو الخالق، والراحم، والمدبر، والمانح، والرافع الخافض، وأن العبد لا يفر إلا إليه ولا يتوكل إلا عليه.
قال ابن تيمية رحمه الله: “التوحيد الذي دعت إليه الرسل هو عبادة الله وحده لا شريك له، وهو معنى لا إله إلا الله”.
وقال ابن القيم: “هي الكلمة التي تُسقط أصنام القلب، وترد العبد إلى أصله: عبدٌ لله لا لغيره”.
ذكر لا إله إلا الله في القرآن الكريم
ذكر الله كلمة التوحيد في مواضع كثيرة من القرآن، لأنها أصل الدين، ومنها:
- قوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (سورة محمد، الآية 19) فيه أمر من الله يسبق العمل والعبادة، وأن أول العلم وأعظمه وأشرفه هو العلم بالتوحيد.
- قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ۚ ﴾ وقد تكررت في عدة سور من القرآن الكريم، وقد اقترنت كلمة التوحيد بصفات العظمة والحياة والقيومية.
- قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ﴾، وفيها يشهد الله سبحانه لنفسه بالوحدانية، وهذه أعظم شهادة في الوجود.
أحاديث صحيحة عن فضل لا إله إلا الله
- عن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال: «أفضلُ الذِّكرِ لا إلهَ إلا اللهُ، وأفضلُ الدعاءِ الحمدُ للهِ» (رواه الترمذي، وصححه الألباني).
- عن معاذ بن جبل رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «من كان آخرُ كلامِهِ لا إلهَ إلا اللهُ دخلَ الجنَّةَ» (رواه أبو داود، وصححه الحاكم).
- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: “قُلتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَن أَسعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِك يَومَ القِيَامةِ فَقَال النَّبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ لَقَد ظَنَنتُ يَا أَبَا هُرَيرَةَ أَن لَا يَسأَلُنِي عَن هَذَا الحَدِيثِ أَحَدٌ أَولَى مِنكَ لِما رَأَيتُ مِن حِرصِك عَلى الحَدِيثِ أَسعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يومَ القِيامَةِ مَن قَال لَا إِلَهَ إلَّا اللَّهُ خَالصًا مِن نَفسِهِ” (رواه البخاري).
- عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: “جَدِّدوا إيمانَكم قيل يا رسولَ اللهِ وكيف نُجدِّدُ إيمانَنا قال أكثِروا من قولِ لا إلهَ إلَّا اللهُ” (رواه أحمد، وصححه الحاكم).
- عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: “مَن قالَ: لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ له، له المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ وَهو علَى كُلِّ شيءٍ قَدِيرٌ، عَشْرَ مِرَارٍ كانَ كَمَن أَعْتَقَ أَرْبَعَةَ أَنْفُسٍ مِن وَلَدِ إسْمَاعِيلَ” (رواه البخاري ومسلم).
- عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال: “إنَّ نبيَّ اللهِ نوحًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لمَّا حضَرَتْه الوفاةُ قال لابنِه: إنِّي قاصٌّ عليك الوصيَّةَ: آمُرُكَ باثنتَينِ، وأنهاكَ عن اثنتَينِ: آمُرُكَ بلا إلهَ إلَّا اللهُ؛ فإنَّ السَّمواتِ السَّبعَ والأرَضينَ السَّبعَ لو وُضِعَتْ في كِفَّةٍ، ووُضِعَتْ لا إلهَ إلَّا اللهُ في كِفَّةٍ؛ رجَحَتْ بهنَّ لا إلهَ إلَّا اللهُ، ولو أنَّ السَّمواتِ السَّبعَ والأرَضينَ السَّبعَ كُنَّ حَلْقةً مُبْهَمَةً؛ قصَمَتْهنَّ لا إلهَ إلَّا اللهُ، وسبحانَ اللهِ وبحَمدِه؛ فإنَّها صلاةُ كلِّ شيءٍ، وبها يُرزَقُ الخلقُ” (رواه أحمد، وصححه الحاكم).
- عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: “ما قال عبدٌ لا إلهَ إلَّا اللهُ قطُّ مخلِصًا ، إلَّا فُتِحَتْ له أبوابُ السماءِ ، حتى تُفْضِيَ إلى العرشِ ، ما اجتُنِبَتِ الكبائرُ” (رواه الترمذي، وصححه الألباني).
- عن محمود بن الربيع الأنصاري رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: “إنَّ اللَّهَ قدْ حَرَّمَ علَى النَّارِ مَن قالَ: لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، يَبْتَغِي بذلكَ وجْهَ اللَّهِ” (رواه البخاري ومسلم).
- عن أبو ذر الغفاري رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: “ما مِن عَبْدٍ قالَ: لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، ثُمَّ مَاتَ علَى ذلكَ إلَّا دَخَلَ الجَنَّةَ” (رواه مسلم).
فضل ذكر لا إله إلا الله
- أعظم كلمة في الوجود، وهي كلمة التوحيد التي من أجلها خُلق الخلق وأُرسلت الرسل.
- أول واجب على المسلم، وآخر ما يُختم به العمر، وأعظم ما يُقال عند الموت.
- سبب لدخول الجنة لمن قالها موقنًا بها من قلبه.
- أفضل الذكر على الإطلاق كما قال ﷺ: «أفضل الذكر لا إله إلا الله».
- أثقل شيء يوضع في ميزان العبد يوم القيامة.
- تمحو الذنوب كلها حتى لو كانت مثل زبد البحر.
- تنقذ العبد من النار إذا قالها بصدق ويقين.
- تشرح الصدر وتفتح أبواب السكينة والطمأنينة.
- تُطهر القلب من الشرك الظاهر والخفي، ومن التعلق بغير الله.
- تجدد الإيمان في القلب وتزيده ثباتًا وقوة.
- سبب لحفظ العبد من الشيطان ووساوسه.
- تضاعف الحسنات وتُكفّر السيئات وترفع الدرجات.
- من قالها مئة مرة كان كمن أعتق عشر رقاب، وله مئة حسنة، ومحا الله عنه مئة سيئة.
- تُسهل على العبد سُبل الطاعة والعبادة وتعينه على تذكر الله.
- تجمع بين النفي والإثبات، وهو أكمل أنواع التوحيد.
- تحيي القلب وتجعله معلَّقًا بالله وحده دون غيره.
- تُورث العبد قوةً معنوية نفسية تجعله لا يخاف إلا الله.
- تُثقل اللسان عن اللغو وتعوده على ذكر الله.
- من أعظم أسباب النجاة يوم الفزع الأكبر يوم القيامة.
- تجلب الرضا والراحة الداخلية وتزيل القلق والهم.
- تُقوِّي صلة العبد بربه وتزيد قربه منه.
- هي أفضل ما قاله الأنبياء جميعًا عبر التاريخ.
- تجعل العبد في معية الله وحفظه وتوفيقه.
- هي أساس الإسلام، ومن قالها صادقًا عصم دمه وماله.
الأثر الروحي لذكر لا إله إلا الله على المؤمن
-
تطهير القلب من الشرك الخفي، فالقلب يتعرض يوميًا لشبهات وشهوات، وإذا أكثر العبد من قول لا إله إلا الله صفا قلبه، وابتعد عن التعلق بالأسباب والمخلوقات.
-
إزالة الهم والخوف، لأن الخوف الحقيقي سببه الاعتماد على غير الله، فحين يتكرر الذكر يتذكَّر الإنسان أن الله وحده القادر، فيسقط الخوف من قلوب البشر والأحداث والمستقبل.
-
تُطهر القلب من الشرك الخفي، فهناك شرك خفي لا يشعر به الناس كالاعتماد على الوظيفة، أو الخوف من الناس، أو انتظار المديح، ولا إله إلا الله تقتلع هذه الأشواك من القلب.
-
تبث الطمأنينة وتُسكن الروح، فلا شيء يهدِّئ القلب المضطرب مثل كلمة التوحيد، لذلك قال العلماء: “ذكر التوحيد دواء للقلوب القلقة”.
-
تُعيد ترتيب الحياة، فحين يتذكر العبد أن الله هو الرازق، الرحيم، الحافظ، يهدأ ويسكن، ويتوقف عن مطاردة سراب الدنيا.
فضل ذكر لا إله إلا الله في مغفرة الذنوب
عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إنَّ اللَّهَ سيُخَلِّصُ رجلًا من أمَّتي على رؤوسِ الخلائقِ يومَ القيامةِ فينشُرُ علَيهِ تسعةً وتسعينَ سجلًّا ، كلُّ سجلٍّ مثلُ مدِّ البصرِ ثمَّ يقولُ : أتنكرُ من هذا شيئًا ؟ أظلمَكَ كتبتي الحافِظونَ ؟يقولُ : لا يا ربِّ ، فيقولُ : أفلَكَ عذرٌ ؟ فيقولُ : لا يا ربِّ ، فيقولُ : بلَى ، إنَّ لَكَ عِندَنا حسنةً ، وإنَّهُ لا ظُلمَ عليكَ اليومَ ، فيخرجُ بطاقةً فيها أشهدُ أن لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ، وأشهدُ أنَّ محمَّدًا عبدُهُ ورسولُهُ ، فيقولُ : احضُر وزنَكَ فيقولُ يا ربِّ ، ما هذِهِ البطاقةُ مع هذِهِ السِّجلَّاتِ ؟ فقالَ : فإنَّكَ لا تُظلَمُ ، قالَ : فتوضَعُ السِّجلَّاتُ في كفَّةٍ ، والبطاقةُ في كفَّةٍ فطاشتِ السِّجلَّاتُ وثقُلتِ البطاقةُ ، ولا يثقلُ معَ اسمِ اللَّهِ شيءٌ” (رواه الترمذي وصححه الألباني).
وهذا الحديث يكفي ليجعل الإنسان يقف باكيًا متأثرًا، فكل السجلات السوداء تُمحى أمام كلمة واحدة خرجت بصدق، فقول لا إله إلا الله تمحو الذنوب مهما عظمت، وتجدد الإيمان، وتُسقط الران عن القلب، وتفتح أبواب التوبة حتى للمذنبين المكثرين.
فضل ذكر لا إله إلا الله في أذكار الصباح والمساء
ذكر لا إله إلا الله ليست جملة موسمية، بل هي أعظم ما يُفتتح به اليوم ويُختتم به الليل، ففي أذكار الصباح والمساء نقول:
«لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير» مئة مرة، وثوابه كما ورد في الصحيح عدل عشر رقاب، ويُكتب له مئة حسنة، ويُمحى عنه مئة سيئة، كما أنها حرز من الشيطان يومه كله.
فهل هناك ذكر أفضل من هذا؟.
كيف تُصبح كلمة التوحيد أسلوب حياة؟
-
أن تجعلها ذكرًا دائمًا في الطريق، أو العمل، أو السيارة،أو قبل النوم، أو عند القلق.
-
أن تتدبر معناها، فكلما قلتها تذكرت أنك لا تعتمد إلا على الله.
-
أن تعيش وفق مقتضاها، فلا تكذب، ولا تخون، ولا تظلم… لأنك عبد لله وحده.
-
أن تربِّي بها أبناءك، وتُعلمهم أن الله وحده هو المتصرف، وهو المانح، وهو الرافع الخافض.
لماذا يُخطئ البعض في فهم ذكر لا إله إلا الله؟
- يظن بعض الناس أنها كلمة بلا التزام والحقيقة أنها منهج كامل.
-
يرددونها دون حضور قلب، فتفقد تأثيرها الروحي، فالتوحيد يحتاج حضورًا، لا مجرد حركة لسان.
-
الترديد دون فهم، فالذكر إن لم يغيِّر القلب فهو ذكر ناقص.
- يظن البعض أن مجرد قولها يدخل الجنة بينما شروطها كثيرة كما ذكر العلماء.
وفي الختام، يبقى فضل ذكر لا إله إلا الله أعظم ما يُحيي القلوب ويثبِّت الإيمان، فهي كلمة تجمع الخير كله، وتفتح للعبد أبواب الرحمة والطمأنينة، وترفعه عند الله درجات لا يبلغها بعملٍ آخر، ومن أكثر منها وجد نورًا في قلبه، وبركةً في أيامه، وسكينةً تُرافقه في كل دروب الحياة، فلتكن هذه الكلمة زادك الدائم، ورفيقة أنفاسك، حتى تلقى الله بقلبٍ عامرٍ بالتوحيد وذكره.













