إعرف دينكمواضيع تعبير دينية

شرح حديث (يا غلام إني أعلمك كلمات)… الأربعين النووية 19

شرح حديث (يا غلام إني أعلمك كلمات)… الأربعين النووية 19

يُعَد حديث (يا غلام إني أعلمك كلمات) من أعظم الأحاديث النبوية التي وضعت القواعد الكبرى لبناء العقيدة الصحيحة، وتأسيس القلب المؤمن على التوحيد الخالص، واليقين الراسخ، والتوكل الصادق، والرضا بالقضاء والقدر.

إنه حديث قصير في ألفاظه، لكنه عميق في معانيه، واسع في دلالاته، حتى قال بعض أهل العلم “لو تدبر الناس هذا الحديث حق التدبر لكفاهم في باب التوحيد والسلوك”.

هذا الحديث هو الحديث التاسع عشر من الأربعين النووية التي جمعها الإمام الإمام النووي رحمه الله، وقد رواه الصحابي الجليل عبد الله بن عباس رضي الله عنهما عن رسول الله ﷺ.

الهدف من هذا المقال أن نضع بين أيديكم شرحًا متكاملًا لحديث (يا غلام إني أعلمك كلمات)، مع بيان معانيه الدقيقة، وربطه بأدلة القرآن والسنة، واستخراج الدروس المستفادة منه، وبيان أثره العملي في حياة المسلم.

نص حديث (يا غلام إني أعلمك كلمات)

المحتوى :

عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: «كنتُ خلف النبي ﷺ يومًا، فقال: يا غلام، إني أُعلِّمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رُفعت الأقلام وجفَّت الصحف» (رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح).

وفي رواية أخرى:

“احفظ الله تجده امامك، تعرف الى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، واعلم ان ما اخطاك لم يكن ليصيبك، وما اصابك لم يكن ليخطئك، واعلم ان النصر مع الصبر، وان الفرج مع الكرب، وان مع العسر يسرا”.

تخريج حديث (يا غلام إني أعلمك كلمات) وسنده

من الأمانة العلمية أن نبدأ بتوثيق النص، فالحديث رواه الإمام الترمذي في سننه (رقم 2516)، وأحمد في مسنده، والحاكم في مستدركه.

  • الراوي هو عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، حبر الأمة وترجمان القرآن.

  • درجة الحديث قال عنه الترمذي حديث حسن صحيح.

  • مناسبة الحديث ( كان ابن عباس رضي الله عنهما ردف النبي ﷺ (أي يركب خلفه على الدابة)، مما يعطي انطباعاً عن القرب والمودة بين القائد والمربي وبين الجيل الصاعد).

الوقفة التربوية مع نداء “يا غلام”

بدأ النبي ﷺ كلامه بمنادى لطيف “يا غلام”، والغلام في لغة العرب هو من لم يبلغ الحلم، وهنا تبرز عبقرية النبوة في التربية:

  • التلطف في الخطاب، حيث استخدم النبي ﷺ “يا غلام” بدلاً من “يا ولد” أو نداء جاف، لجذب الانتباه وتأليف القلب.

  • التشويق للعلم، بقوله “إني أعلمك كلمات” جعل ذهن الصغير يتوقد لمعرفة هذه الكلمات المعدودة التي يصفها النبي ﷺ بأنها علم.

  • استغلال الأوقات البينية، فالنبي ﷺ لم ينتظر جلسة رسمية في المسجد، بل علم ابن عباس وهو على ظهر الدابة، مما يعلمنا أن وقت الفراغ هو أفضل وقت لغرس القيم.

الشرح التفصيلي لوصايا حديث (يا غلام إني أعلمك كلمات)

الوصية الأولى “احفظ الله يحفظك”

هذه الجملة هي قاعدة المجازاة، ومعنى حفظ الله هنا ليس حفظ ذاته سبحانه (فهو الحفيظ العليم)، بل هو حفظ شرعه ودينه.

  • حفظ الحدود، بأن لا يتعدى الإنسان ما شرعه الله، وحفظ ما أمر به وما نهى عنه، كما قال تعالى: {وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ ۗ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ}.

  • حفظ الجوارح كحفظ اللسان من الغيبة، والعين من الحرام، والبطن من أكل السحت.

وثمرة الحفظ (يحفظك)، فالله يحفظك في “مصالح دنياك” (البدن، الأهل، الولد، المال)، ويحفظك في “دينك” عند الشبهات والفتن، والأعظم أنه يحفظك عند النزع وسؤال القبر، والله تعالى قال: ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا﴾ [سورة يوسف، الآية 64]، وهذا وعدٌ صريح من الله عز وجل من حفظ أمر الله حفظه الله.

الوصية الثانية “احفظ الله تجده تجاهك”

في الرواية الأخرى “تجده أمامك”، والمعنى أن من راعى حقوق الله، وجد الله معه بالمعية الخاصة، والمعية العامة هي علم الله وإحاطته بكل الخلق {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ}، أما المعية الخاصة هي النصر والتأييد والتوفيق {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ}، وعندما تجد الله تجاهك، فلا وحشة في طريق، ولا خوف من عدو، ولا حيرة في قرار.

الوصية الثالثة “إذا سألت فاسأل الله”

هذا توجيه لتعليق القلب بالمسبب لا بالسبب.

لماذا نسأل الله وحده؟ لأن الخلق كلهم فقراء، والله هو الغني الحميد، والإنسان إذا سألته غضب، أما إذا لم تسأل الله، ومع ذلك لا يعني هذا تحريم سؤال الناس مطلقًا، بل المقصود أن يكون اعتماد القلب على الله، وأن لا يذل العبد نفسه لغير الله، ويعلم أن الناس مجرد أسباب.

الوصية الرابعة “وإذا استعنت فاستعن بالله”

الاستعانة بالله هي طلب العون في أمور الدنيا والآخرة، فالعجز البشري يحتاج إلى قوة إلهية، والمؤمن يستمد قوته من الصلاة والذكر والتوكل، كما قال تعالى: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ}، وفي حديث (يا غلام إني أعلمك كلمات) يحررنا النبي ﷺ من الرق النفسي للمخلوقين؛ فمن استعان بغير الله وُكل إليه، ومن استعان بالله ذلل له الصعاب.

معجزة الإيمان بالقدر (لو اجتمعت الأمة)

هذا الجزء من الحديث هو ترياق الخوف، فالنبي ﷺ يُقرر حقيقة كونية:

“واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك”.

وهنا الحديث حطم الأصنام البشرية، فالإنسان غالباً ما يداهن المسؤول أو القوي خوفاً من ضرره أو طمعاً في نفعه، وهذا الحديث يقول لك: “هذا القوي لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً، فكيف يملكه لك؟”.

وعندما توقن أن رزقك لن يأخذه غيرك، وأن أجلك لن ينقصه بشر، تملأ قلبك السكينة، وتختفي أمراض القلق والاكتئاب الناتجة عن التنافس الدنيوي المحموم.

«رُفعت الأقلام وجفَّت الصحف»

إشارة إلى أن ما كُتب في اللوح المحفوظ قد قُدِّر وفرغ منه، فعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال: «أولُ ما خلق اللهُ القلمُ فقال له: اكتبْ فقال: يا ربِّ وما أكتبُ؟ قال: اكتب القدرَ ما هو كائنٌ من ذلك إلى قيامِ الساعةِ» (أخرجه الطبراني)، فكل شيء مقدر بعلم الله السابق، وهذا من أركان الإيمان الستة.

ارتباط حديث (يا غلام إني أعلمك كلمات) بأركان الإيمان

الحديث يرتبط مباشرة بـ:

  • الإيمان بالله (توحيدًا وتوكلًا).

  • الإيمان بالقدر خيره وشره.

  • الإيمان بالملائكة (الكتبة).

  • الإيمان بالكتب (الصحف التي جفَّت).

فهو حديث عقدي شامل.

الرواية الموسعة (مفاتيح النصر والفرج)

تضيف الروايات الأخرى لحديث (يا غلام إني أعلمك كلمات) أبعاداً غاية في الأهمية:

تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة

الرخاء هو وقت الصحة والغنى والفراغ، والشدة هي وقت المرض والفقر والكرب، فمن كان يذكر الله في سعة باله، كان له دالَّة على الله في ضيق حاله.

مثال ذلك يونس عليه السلام، حين سبَّح في بطن الحوت، قالت الملائكة: “صوت معروف من عبد معروف” فنجاه الله، بينما فرعون حين نادى في الشدة، قيل له: {آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ}.

واعلم أن النصر مع الصبر

قانون رباني؛ لا نصر بلا بلاء، ولا تمكين بلا صمود.

والصبر هنا هو حبس النفس عن الجزع، وهو وقود الانتصار في المعارك النفسية والميدانية.

وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسراً

لاحظ استخدام حرف مع وليس بعد، وهذا إعجاز قرآني ونبوي؛ ففي رحم الكرب يولد الفرج، وفي جوف العسر يختبئ اليسر، وهذه الكلمات في حديث (يا غلام إني أعلمك كلمات) هي أعظم علاج لليأس.

الدروس المستفادة من حديث (يا غلام إني أعلمك كلمات)

  • بناء الشخصية المستقلة، فالحديث يبني فرداً لا يتبع القطيع، بل يتبع الحق، ويكون فرد يثق بخالقه أكثر مما يثق بما في يده.

  • أهمية التربية العقدية، فقبل تعليم الطفل الفقه أو التاريخ يجب تعليمه “من هو الله؟” وكيف يتوكل عليه، فنجد النبي ﷺ علَّم غلامًا صغيرًا أعظم مسائل الإيمان قبل تفاصيل الفقه.

  • تحرير القلب من التعلق بالخلق، فمن فهم أن الأمة لا تملك له نفعًا ولا ضرًا، عاش حرًا.

  • غرس اليقين، فاليقين هو الثمرة الكبرى لهذا الحديث، والله تعالى قال في كتابه: ﴿وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾.

  • العلاقة بين العمل والجزاء (احفظ/يحفظك) تعلم الطفل والبالغ أن المسؤولية تقع على عاتقه أولاً.

  • محاربة الخرافة والدجل، فالحديث يقطع الطريق على من يعتقدون أن السحرة أو المشعوذين يملكون النفع والضر استقلالاً عن قدر الله.

  • التوازن النفسي، فالإيمان بـ”جفت الصحف” يمنع الإنسان من الطغيان عند النجاح (لأنه من الله)، ويمنعه من الانهيار عند الفشل (لأنه قدر الله).

  • النصر مرتبط بالصبر، ففي الرواية الأخرى «واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب»، وهذا يربط الحديث بسنن الله في الابتلاء.

أثر حديث (يا غلام إني أعلمك كلمات) في حياة المسلم اليومية

عندما يترسخ هذا الحديث في القلب، يهدأ القلق، ويقل الخوف من المستقبل، ويثبت الإنسان أمام الفتن، كما يزداد تعلقه بالله.

مثال عملي:

عند فقدان وظيفة… يتذكر العبد أن الرزق مكتوب.

عند ظلم الناس… يعلم أن الضر لا يقع إلا بإذن الله.

عند الكرب… يستحضر أن الفرج مع الكرب.

لماذا يُعد حديث (يا غلام إني أعلمك كلمات) من أعظم أحاديث العقيدة؟

لأنه يجمع:

  • توحيد الألوهية (اسأل الله).

  • توحيد الربوبية (هو النافع الضار).

  • توحيد الأسماء والصفات (الحفظ، المعية).

  • الإيمان بالقدر.

ولذلك وضعه الإمام الإمام النووي ضمن الأربعين النووية الجامعة.

كيف نعيد إحياء حديث (يا غلام إني أعلمك كلمات) في عصرنا الحالي؟

نحن نعيش في عصر “المؤثرين” و”قوة المال” و”الوساطة”، وهذا الحديث هو المصل الواقي من أمراض العصر:

في بيئة العمل

اجتهد وأتقن (احفظ الله)، ولا تنافق مديرك من أجل ترقية (فاسأل الله)، واعلم أن رزقك مكتوب (جفت الصحف).

في تربية الأبناء

بدلاً من تخويف الطفل بالبعبع أو الشرطة، علمه أن الله يحفظه إذا حافظ على صلاته وأخلاقه.

في المحن العامة

عند انتشار الأوبئة أو الحروب، يبرز يقين “لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك” ليعيد التوازن للمجتمع.

أقوال السلف والعلماء في هذا الحديث

  • الإمام النووي: “هذا حديث عظيم الموقع، وقاعدة من قواعد الدين، وكلامه في غاية البلاغة”.

  • ابن رجب الحنبلي: أفرد له كتاباً كاملاً بعنوان (نور الاقتباس في مشكاة وصية النبي لابن عباس)، وهو من أروع ما كُتب في شرحه.

  • الحسن البصري: كان يقول: “ابن آدم، إنك لن تنال حقيقة الإيمان حتى تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك”.

الأسئلة الشائعة

هل يتعارض الحديث مع طلب المساعدة من الناس؟

لا يتعارض، فطلب المساعدة في الأمور المقدور عليها (كأن تطلب من جارك مساعدة في حمل متاع) جائز، ولكن “الاستعانة” القلبية والاعتقاد بأن النفع منه هو المنهي عنه.

 ما هو الفرق بين “سؤال الله” و”الاستعانة بالله”؟

السؤال يكون لطلب جلب نفع أو دفع ضر، أما الاستعانة فهي طلب القوة والمعونة للقيام بالعمل نفسه.

زر الذهاب إلى الأعلى
المحتوى :
Index