خطبة عن أفضل الأعمال في رمضان

خطبة عن أفضل الأعمال في رمضان
الحمد لله الذي بلغنا شهر رمضان، شهر الخيرات والبركات، شهر الطاعات والقربات، شهر تتنزل فيه الرحمات، وتُفتح فيه أبواب الجنان، وتُغلق فيه أبواب النيران، وتُصفَّد فيه الشياطين. الحمد لله الذي جعل لنا مواسم للطاعة، لنستدرك فيها ما فات، ونُجدد فيها العهد معه، ونغسل فيها القلوب من أدران الذنوب.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادةً نرجو بها النجاة يوم العرض والحساب، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبد الله ورسوله، أرسله الله رحمة للعالمين، فبلَّغ الرسالة، وأدَّى الأمانة، ونصح الأمة، فكشف الله به الغمة، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد، فيا عباد الله، أوصيكم ونفسي المقصِّرة بتقوى الله؛
فاتقوا الله حق التقوى، وراقبوه في السر والنجوى، واعلموا أن من اتقى الله جعل له من أمره يُسرًا.
أيها المسلمون،
نستقبل شهرًا عظيمًا، وموسمًا كريمًا، ونفحةً ربانية لا تُعوَّض، إنه شهر رمضان؛ شهر الطاعة، وشهر القرب، وشهر تُفتح فيه أبواب الجنان، وتُغلق فيه أبواب النيران، وتُصفَّد فيه الشياطين.
رمضان ـ عباد الله ـ ليس شهر العادة، ولا موسم الغفلة، بل هو ميدان سباق، وسوق رابحة، وامتحان حقيقي للقلوب.
فالسعيد من عرف قدره، وأحسن استثماره، والشقي من مرّ عليه رمضان ولم يُغفر له.
أيها المؤمنون،
إن من أعظم ما يحتاجه المسلم في هذا الشهر أن يعرف: ما أفضل الأعمال في رمضان؟
حتى لا يضيع عمره في القليل، ويترك الكثير، ولا ينشغل بالمفضول عن الفاضل.
أولًا: الصيام (عبادة التقوى ومفتاح القبول)
الصيام هو الركن الأعظم في رمضان، وهو العبادة التي شُرع الشهر من أجلها، فالله تعالى يقول في كتابه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (سورة البقرة، الآية 183).
فغاية الصيام ليست الجوع والعطش، وإنما تحقيق التقوى، وهي مراقبة الله في السر والعلن، وقد اختص الله الصيام لنفسه، فقال في الحديث القدسي: «كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به» (رواه البخاري ومسلم)، وقد قال العلماء: “الصيام سرٌّ بين العبد وربه، لا يطلع عليه أحد، فكان أدعى للإخلاص”.
الصيام الحقيقي هو صيام الجوارح عن المعاصي، صيام اللسان عن الغيبة والنميمة، صيام القلب عن الحقد والرياء، والنبي ﷺ قال: «ربَّ صائمٍ ليس له من صيامه إلا الجوع، وربَّ قائمٍ ليس له من قيامه إلا السهر» (رواه ابن ماجه)، فأفضل الأعمال في رمضان أن تصوم صيامًا يزكِّي القلب قبل أن يُتعب الجسد.
ثانيًا: قيام الليل والتراويح (مدرسة الإيمان والخشوع)
قيام الليل في رمضان من أجل القربات وأعظم الطاعات، وقد علَّق النبي ﷺ عليه مغفرة الذنوب، فقال: «من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه» (متفق عليه).
ومعنى “إيمانًا واحتسابًا” أي تصديقًا بوعد الله وطلبًا للأجر لا رياءً ولا عادة، وكان النبي ﷺ يقوم حتى تتفطر قدماه، فقيل له: أتفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك؟، فقال: «أفلا أكون عبدًا شكورًا؟» (متفق عليه).
و صلاة التراويح وقيام الليل ليست عبادة شكلية وعدد ركعات، بل حضور قلب، وخشوع، وتدبر للقرآن، ولذلك كان السلف يطيلون القيام ويخففون العدد، فاحرصوا ـ رحمكم الله ـ على القيام مع الإمام، وعلى حضور القلب، لا مجرد الحركة.
ثالثًا: تلاوة القرآن الكريم (قلب رمضان النابض)
رمضان هو شهر القرآن بلا منازع، والله تعالى قال: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ﴾ (سورة البقرة، الآية 185)، وكان جبريل عليه السلام يدارس النبي ﷺ القرآن في رمضان كل عام.
وكان السلف إذا دخل رمضان أقبلوا على القرآن إقبال العطشان على الماء، فنجد عثمان رضي الله عنه يختم القرآن في ليلة، وكان الشافعي يختم ستين ختمة، وكانوا يقرؤون بتدبر وخشوع لا مجرد عدد.
فالقرآن في رمضان يُلين القلوب، ويُصلح النفوس، ويجدد الإيمان، وأفضل الأعمال في رمضان أن تجعل للقرآن وردًا ثابتًا، لا ينقطع.
رابعًا: الدعاء (عبادة الساعة المباركة)
الدعاء من أعظم العبادات والأعمال في رمضان، وقد جاءت آية الدعاء بين آيات الصيام، في إشارة بليغة إلى شرفه: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ (سورة البقرة، الآية 186)، وقال النبي ﷺ: «للصائم عند فطره دعوة لا تُرد» (رواه ابن ماجه).
فأكثروا من الدعاء، في السجود، وعند الإفطار، وفي جوف الليل، واسألوا الله بقلوبٍ صادقة، فإن الله قريب مجيب.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.
الحمد لله رب العالمين،
وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد، فيا عباد الله، اتقوا الله حق التقوى.
أيها المسلمون،
ومن أفضل الأعمال في رمضان كذلك:
خامسًا: الصدقة وإطعام الطعام (باب عظيم للأجر)
كان النبي ﷺ أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان، كما في الصحيحين، والصدقة في رمضان تتضاعف لأنها في زمن فاضل، ومع حاجة الفقراء، ومع عبادة الصيام.
ومن أعظم صور الصدقة تفطير الصائمين، وكفالة الأرامل، وإدخال السرور على المحتاجين.
سادسًا: حسن الخلق وكظم الغيظ
رمضان ليس موسم عبادات فقط، بل موسم أخلاق، فالنبي ﷺ قال: «الصيامُ جُنَّةٌ ، فإذا كان أحدُكم صائمًا فلا يَرفُثْ ولا يَجهلْ ، فإنِ امْرُؤٌ شاتَمَه أو قاتَلَهُ فَليَقُلْ إنِّي صائمٌ» (متفق عليه).
فمن أفضل الأعمال في رمضان الحلم، والصبر، والعفو، وترك الجدال؛ لأن المقصود من الصيام تزكية النفس.
سابعًا: التوبة النصوح (فرصة لا تتكرر)
رمضان باب التوبة المفتوح، والنبي ﷺ قال: «رَغِمَ أنفُ رجلٍ دخل عليه رمضانُ، ثم انسلخ قبل أن يُغْفَرَ له» (رواه أحمد)، والتوبة الصادقة تشمل الإقلاع عن الذنب، والندم على فعله، والعزم على التوبة، ورد الحقوق.
فبادروا بالتوبة، وردُّوا المظالم، وجدِّدوا العهد مع الله.
ثامنًا: العشر الأواخر وليلة القدر
العشر الأواخر خلاصة الشهر، وفيها ليلة القدر: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾، (سورة القدر، الآية 3)، وكان النبي ﷺ إذا دخلت العشر شد مئزره وأحيا ليله وأيقظ أهله.
يا عباد الله…
إن رمضان شاهد لك أو عليك، فإما أن تخرج منه مغفور الذنب، مرفوع الدرجة، أو تخرج كما دخلت، وقد ضيَّعت أعظم الفرص،فاجعل رمضان بداية لا نهاية، ومنطلقًا لا محطة عابرة، وكن من الذين يُقال لهم يوم القيامة: “ادخلوا الجنة بسلام آمنين”.
اللهم بلِّغنا رمضان، وأعنا فيه على الصيام والقيام، اللهم اجعلنا فيه من المقبولين، ولا تجعلنا من المحرومين، اللهم اغفر لنا ذنوبنا، واستر عيوبنا، وتقبَّل توبتنا، اللهم أصلح قلوبنا، واهدِ أبناءنا، واجمع شمل أمتنا، اللهم انصر الإسلام وأعز المسلمين، وصلِّ اللهم وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.













