حديث «لاَ يُؤمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لأَخِيهِ …» شرح الحديث 13 من الأربعين النووية
شرح حديث «لاَ يُؤمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لأَخِيهِ ...» وأثره على حياة المسلم
حديث «لاَ يُؤمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لأَخِيهِ …»، الإيمان سلوك يُترجم في التعامل، وصدقٌ يُقاس في المعاملة، ومعدنٌ يُمتحن في المواقف، ومن الأحاديث النبوية الجامعة التي تُعبِّر عن لبِّ الإسلام وتكشف جوهر الإيمان الحديث الثالث عشر من الأربعين النووية:
عن أبي حمزة أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “لاَ يُؤمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ” [رواه البخاري (13) ومسلم (45)].
حديثٌ عظيم في معناه، ودقيق في لفظه، وعميق في أثره، ولو عمل به المسلمون لأُطفئت نيران الحسد، وأُزيلت أسباب العداوة، ولتغير وجه الأمة إلى وِحدةٍ ومودةٍ ورحمة، فما معنى هذا الحديث؟ وما المقصود بالإيمان فيه؟ ومن هو “الأخ”؟ وهل يشمل غير المسلم؟ وما الدروس التي ينبغي أن يستلهمها المسلم من هذا الحديث العظيم؟، هذا ما سنفصله في هذا المقال الشامل، فتابعوا معنا.
تخريج حديث «لاَ يُؤمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لأَخِيهِ …» ومكانته بين الأحاديث
الحديث رواه الإمام البخاري في صحيحه (كتاب الإيمان، باب من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه)، كما رواه الإمام مسلم في صحيحه (كتاب الإيمان، باب الدليل على أن من خصال الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه).
وقد اتفق العلماء على صحة هذا الحديث، فهو من أحاديث الصحيحين المتفق عليها، ويدخل في زمرة الأحاديث التي قال فيها العلماء: “هي من قواعد الدين وأصوله الكبرى”، بل عدَّه الإمام النووي ضمن الأربعين النووية لما فيه من جمع لأصول الإيمان والتعامل.
شرح ألفاظ حديث «لاَ يُؤمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لأَخِيهِ …»
“لاَ يُؤمِنُ أَحَدُكُمْ”
النفي هنا ليس نفيًا لأصل الإيمان، ولا يعني الكفر والخروج من الإسلام، بل نفي لكمال الإيمان الواجب، أي أن الإنسان لا يبلغ حقيقة الإيمان وكماله حتى يتحقق بهذا الخلق العظيم.
“حَتَّى يُحِبَّ لأَخِيهِ”
الأخوة هنا تشمل المسلم أولًا، وتشمل أخوة الإنسانية بدرجة ما، كما قال النووي: “والأظهر أن المقصود بها أخوته في الإسلام، وإن كان من المستحسن أن يشمل عموم البشر”.
“مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ”
أي ما يحب لنفسه في الخير والرزق والسلامة والعافية والهداية والنجاة من الشرور…إلخ، وليس في المعاصي أو الأهواء أو الباطل، فحب الخير هو المقصود دون الانحراف.
المعنى الإجمالي للحديث
الحديث يُقرر مبدأ تكافل القلوب، لا مجرد الأجساد، فمن كان يؤمن إيمانًا صادقًا، وجب عليه أن يكون نقي القلب، سليم الصدر، ويُحب الخير لإخوانه كما يتمناه لنفسه، ولا يتمنى زوال النعمة عنهم، بل يسعى لأن يعم الخير الجميع.
قال ابن بطال: “هذا الحديث يدل على أن الإيمان لا يكمل إلا بأن يُحب للناس ما يحب لنفسه، في الدين والدنيا، وذلك غاية في الكمال الإيماني”.
ما المقصود بالإيمان في حديث «لاَ يُؤمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لأَخِيهِ …»
لا بد من التنبيه أن المقصود بالإيمان في الحديث لا يعني مجرد التصديق النظري، بل هو الإيمان الذي يشمل الإقرار باللسان، والتصديق بالجنان، والعمل بالأركان
والمقصود في الحديث الإيمان العملي الظاهري والباطني الكامل، فالمؤمن الكامل هو الذي يرقى بإيمانه إلى درجة أن ينزع من قلبه الحسد، وينبت فيه الحب للغير، كما يحب لنفسه الخير دون نقصان.
قال الإمام الخطابي: “هذا الحديث يدل على أن من لم يحب لأخيه ما يحب لنفسه فإيمانه ناقص، لأن المحبة تابعة للرضا، فلا يرضى لأخيه ما لا يرضاه لنفسه إلا وفي قلبه غش أو حسد”.
لماذا جعل النبي ﷺ هذا السلوك معيارًا للإيمان؟
جعل النبي ﷺ هذا السلوك معيارًا للإيمان؛ لأن النفس بطبعها أنانية، وتميل لتقديم مصلحتها على غيرها، فحين يتجاوز الإنسان هذه الغريزة ويحب الخير لغيره كما لنفسه، فإنه يكون قد بلغ ذروة الإيمان.
وهذا ما أكده ابن حجر العسقلاني رحمه الله بقوله: “المؤمن الصادق هو الذي يترك الأثرة، ويتصف بالإيثار، وينزع من قلبه الغل”، وهنا تتجلَّى التربية النبوية التي تُهذب النفوس، فالإيمان ليس فقط بينك وبين ربك، بل يتجلى في سلوكك مع الخلق، وخصوصًا مع إخوانك في الدين.
هل يشمل حديث «لاَ يُؤمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لأَخِيهِ …» غير المسلم؟
أجمع جمهور العلماء على أن المقصود بـ”أخيه” هو أخوه المسلم، لكن لا مانع من حمل الحديث على عموم الأخوة الإنسانية من جهة الخُلق، أي أن يحب الإنسان الخير والهداية والسلام لغير المسلمين أيضًا، لا كأمر تعبدي، بل من باب الأخلاق العامة والدعوة بالحسنى.
وقد قال ابن رجب الحنبلي: “الأخوة في الدين أقوى روابط الأخوة، لكن من تمام الخلق أن يحب الإنسان الخير لجميع خلق الله”.
أنواع المحبة التي يدعو إليها حديث «لاَ يُؤمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لأَخِيهِ …»
الحديث لا يقصد المحبة العاطفية فقط، بل يشمل:
- محبة الخير المعنوية، بأن تفرح بنجاح أخيك، كما تفرح بنجاحك.
- محبة الرزق والفضل، بأن تحب أن يوسع الله على غيرك كما وسَّع عليك.
- محبة الهداية، بأن تحب أن يُنقذ الله أخاك من المعاصي كما تنقذ نفسك.
- محبة العافية، بألا ترضى لأخيك مرضًا أو كربًا أو فقرًا، كما لا ترضاه لنفسك.
أثر حديث «لاَ يُؤمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لأَخِيهِ …» على حياة المسلم
- قتل الحسد من جذوره، فالحسد نارٌ تأكل الإيمان، وهذا الحديث يطفئها من أصلها، فحين يحب الإنسان الخير لغيره، فإنه يُقتلِع الحسد من قلبه.
- إحياء روح الجماعة والتكافل، فالحديث يؤسس لمجتمع متماسك يُعلي القيم، ويزرع في الناس حب التعاون والمساعدة.
- بناء الثقة بين الناس، فحين يعرف الناس أنك تحب لهم ما تحب لنفسك يثقون بك، ويطمئنون لك، ويشعرون بالأمان في وجودك.
- تحقيق السلام النفسي، فمن يحب الخير لغيره يرتاح قلبه، وتطمئن روحه، ويعيش في راحة نفسية خالية من الحقد.
- تعزيز القيم التربوية في الأسرة والمجتمع، فالأب الذي يربي أبناءه على هذا الحديث، يغرس فيهم حسن الخلق، ويؤسس جيلاً يحمل الإيمان قلبًا وقالبًا.
تطبيقات عملية للحديث في الحياة اليومية
- إذا رُزقتَ بعمل، فساعد غيرك على الحصول على عمل.
- وإذا وفَّقك الله للزواج، فساعد صديقك في زواجه.
- وإذا تعلمت علمًا نافعًا، فلا تبخل به على غيرك.
- وإذا رأيت عيبًا في غيرك، فاستره كما تحب أن يُستر عيبك.
- وإذا دعاك غيرك لفرصة خير، فادعُ له كما تحب أن تُدعى.
مقارنة بين حديث «لاَ يُؤمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لأَخِيهِ …» وأحاديث مشابهة
يتكامل هذا الحديث مع أحاديث أخرى تؤكد على ترابط الإيمان بالأخلاق والسلوك مثل “المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا” (البخاري ومسلم)، وحديث “واللهِ لا يؤمِنُ واللهِ لا يؤمِنُ واللهِ لا يؤمِنُ قالوا وما ذاكَ يا رسولَ اللهِ قال جارٌ لا يؤمنُ جارُهُ بوائقَهُ” (متفق عليه)، فالإيمان الحقيقي يترجم في التعامل، وليس في الشعائر فقط.
أمثلة من سيرة الصحابة في تطبيق الحديث
أبو بكر الصديق رضي الله عنه حينما أنفق ماله كله في سبيل الله، وهو يعلم أن في ذلك نفعًا للأمة لا يقل عن نفعه لنفسه، وعبد الله بن عمر رضي الله عنهما كان لا ينام وفي نفسه غل على أحد من المسلمين، وذلك تطبيقًا عمليًا لمضمون الحديث.
كما أن الأنصار في المدينة بلغوا القمة في تطبيق هذا الحديث، حين آثروا إخوانهم المهاجرين على أنفسهم، كما قال الله: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} [سورة الحشر، الآية 9].
الدروس المستفادة من حديث «لاَ يُؤمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لأَخِيهِ …»
- الإيمان مراتب، وأعلاها تحقيق الأخوة الإيمانية.
- الإسلام دين لا أنانية فيه، بل هو دين جماعي وتراحم.
- الحسد والبغضاء تتنافى مع كمال الإيمان.
- الإنسان يوزن بإيمانه العملي، لا بمجرد الدعوى.
- المحبة الحقيقية تظهر حين يُقدِّم المرء غيره كما يُقدِّم نفسه.
كيف أُربي نفسي على هذا الخلق؟
- محاسبة النفس كل يوم، واسأل نفسك: هل فرحت لخير غيري؟ أم غرت منه؟.
- الدعاء للغير، فخصِّص وقتًا تدعو فيه لإخوانك، فيظهر صدق محبتك.
- كف الأذى، فإن لم تُعِن، فلا تضر، وتذكر قول النبي: “المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده”.
- البدء بالفعل الصغير، فساعد محتاجًا، أو بشِّر مهمومًا، أو بارك لصديق، وراقب أثر ذلك على نفسك.
- تذكر الجزاء الأخروي، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: “من دعا لأخيه بظهر الغيب، قال الملك: ولك بمثل” (رواه مسلم).
في الختام، حديث «لاَ يُؤمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لأَخِيهِ …» ميزان نُزن به إيماننا، فهل ترضى أن تكون مؤمنًا ناقص الإيمان؟ أم تُجاهد لتبلغ كماله؟
إنه حديث يفتح لنا باب الجنة من خلال قلوبنا، لا فقط أعمالنا، كما يعلِّمنا كيف نكون بشرًا راقين، ومسلمين ربانيين، لا نحمل غشًا ولا غلًا، بل نُحب، ونُعطي، ونسعد لخير الآخرين، فنفوز في الدنيا والآخرة، فاللهم ارزقنا قلوبًا سليمة، ونفوسًا زكية، وأخلاقًا مرضية، واجعلنا ممن يحب لإخوانه ما يحب لنفسه.
المصدر