الحديث الخامس عشر من الأربعين النووية «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر…»
شرح الحديث الخامس عشر من الأربعين النووية
الحديث الخامس عشر من الأربعين النووية بكلماته المعدودة رسم لنا الرسول ﷺ منهجًا للحياة يقوم على تهذيب اللسان، وصون الحقوق، وبث روح الإحسان في التعامل مع الناس، فهو لا يقتصر على مجرد نصيحة، بل هو اختبار عملي لصدق الإيمان، حيث يجعل من ضبط الكلام، وحسن معاملة الجار، وإكرام الضيف، مظاهر حية لعقيدة راسخة في القلب، وكلما تدبر المؤمن هذا الحديث، أدرك أنه ليس مجرد توجيه أخلاقي، بل مفتاح لبناء مجتمع يسوده الاحترام، والرحمة، والتكافل.
متن الحديث الخامس عشر من الأربعين النووية وتخريجه ومعناه
متن الحديث
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه» “رواه البخاري ومسلم” (متفق عليه).
تخريج الحديث
الراوي هو أبو هريرة رضي الله عنه، ومصدر الحديث صحيح البخاري وصحيح مسلم في كتب الأدب والآداب العامة، وهو حديث صحيح متفق عليه، وهو من قواعد الآداب التي عدَّها العلماء من أصول مكارم الأخلاق.
معنى الحديث
يربط النبي ﷺ بين صدق الإيمان وبين ضبط اللسان وإكرام الجار وإكرام الضيف، فمن لوازم الإيمان أن لا يخرج من فم المؤمن إلا ما ينفع، وأن يُحسن إلى جاره ويكرم ضيفه؛ لأنها شواهد عملية تُثبت حقيقة الإيمان بالغيب ومراقبة الله، وتستحضر يوم الحساب.
لماذا يُعد الحديث الخامس عشر من الأربعين النووية من جوامع الكلم
يُعد الحديث الخامس عشر من الأربعين النووية من جوامع الكلم لِقِصر عباراته وشمولها، فهو يحتوي على ثلاث جُمل موجزة ترسم ميثاقًا أخلاقيًّا متكاملًا، ولارتباطه بمقصد كُلِّي ألا وهو حفظ الحقوق (حق الله بحفظ اللسان، وحق العباد: الجار والضيف)، ولأنه يربط الأخلاق بالعقيدة: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر)؛ فالأخلاق هنا ليست ذوقًا اجتماعيًا فحسب، بل واجبًا إيمانيًا.
شرح الحديث الخامس عشر من الأربعين النووية
«فليقل خيرًا أو ليصمت»
الخير هو كل ما فيه نفع دنيوي أو أخروي كالذكر، والعلمٌ، والأمر بمعروف، والإصلاح، والنصح، وتطييب الخاطر…
والصمت هو الإمساك عن الكلام الذي لا نفع فيه أو فيه ضرر محقق أو مظنون؛ لأن السكوت هنا عبادةٌ حين يخشى المرء الوقوع في الباطل.
واعلم أن قاعدة الكلام بين ثلاثة:
-
واجب (كبلاغ الحجة، والنصيحة، والشهادة).
-
مستحبٌ (تطييب القلوب، تعليمُ علمٍ نافع).
-
محرَّم أو مكروه (الغيبة، النميمة، الكذب، السخرية، اللغو).
وما لم يتحقق الخير، فـالصمت أولى.
«فليكرم جاره»
الإكرام جمع حسن المعاشرة، وكفُّ الأذى، وبذل المعروف.
والجار يشمل القريبَ والمنقطع، المسلمَ وغير المسلم، على تفاوُت حقوقهم، والله تعالى يقول في كتابه: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الجُنُبِ﴾ [سورة النساء، الآية 36]؛ أي القريب والبعيد، مع تمييز في مراتب الحقوق.
«فليكرم ضيفه»
الضيف من نزل بك من سفر أو حاجة، والإكرام يكون بطلاقة الوجه، وبذل القِرى (الطعام)، وحسن الضيافة، وثبتت أحاديث أخرى تُبيِّن الحد الأدنى للضيافة: «الضيافة ثلاثة أيام، وجائزته يوم وليلة، وما كان وراء ذلك فهو صدقة عليه»؛ أي الكمال ثلاثة أيام، وأدنى الكفاية يومٌ وليلة.
ضوابط الكلام في ضوء الحديث والقرآن
-
ميزان قرآني: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [سورة ق، الآية 18].
-
مقصدٌ إصلاحي: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [سورة النساء، الآية 114].
آفات اللسان التي يُغلق الباب دونها الحديث:
-
الغيبة: ذكرُ أخيك بما يكره.
-
النميمة: نقلُ الكلام بين الناس للإفساد.
-
الكذب: وهو من خصال المنافقين.
-
السخرية والهمز واللمز.
-
المراء والجدل العقيم، وكثرة السؤال بغير حاجة.
قبل أن تتكلم اسأل نفسك هل في كلامي نفع محقق؟، وهل هو حقٌّ؟، وهل هو ملائم للزمان والمكان والطريقة؟، فإن غاب واحدٌ من الثلاثة، فالسكوت عبادة.
فقه حقوق الجار في الحديث الخامس عشر من الأربعين النووية
من هو الجار؟ وما حقه؟
الجار قريبًا كان أو بعيدًا بابًا أو دارًا، وتزداد الحقوق بالقرابة والإسلام، ومن حقوقه:
- كفُّ الأذى، فلا ضوضاء، ولا تضييق في الممرَّات، ولا إشاعةُ روائح مؤذية، ولا رميُ القاذورات.
- بذل المعروف كإهداء الطعام، مشاركة الفرح، مواساة الكرب.
- حفظُ الحُرمة مثل سترُ عوراته، وعدم التطلُّع إلى داخل بيته، وكتمانُ أسراره.
- الإغاثةُ عند الحاجة في المرض، أو المصيبة، أو الفاقة.
فيمكنك أن تبعث رسالة اطمئنان أسبوعية لكبير السن في الجوار، وتنسيق مواقف السيارات بعدل والتنازُل عند الزحام، وتجنُّب تشغيل الأجهزة بصوت عال في ساعات الراحة، وتقديم تحية طيبة وهديةٌ يسيرة بين حينٍ وآخر.
مراتب إكرام الجار
-
الواجب: كفُّ الأذى.
-
المستحب المؤكَّد: المواساةٌ وهديةٌ ومعونةٌ.
-
الكمال: مبادراتُ الخير الدائمة، والصفحُ عند الزلل.
فقه الضيافة وآدابها في الحديث الخامس عشر من الأربعين النووية
ما معنى «فليكرم ضيفه»؟
استقبال الضيف ببِشر، وتخفيف المؤونة عليه، وإطعامُه مما تيسَّر بلا تكلُّف مُجحِف، والحدُّ الأدنى للضيافة يوم وليلة «جائزة الضيف»، والكمال ثلاثة أيام، وما زاد فهو صدقة عليه.
آداب المضيف:
-
عدم إحراج الضيف بتكاليف لا يطيقها.
-
حفظُ وقته وخصوصيته.
-
إطعامه مما يأكل أهلك عادةً.
آداب الضيف:
-
عدم الإطالة بغير إذن.
-
تركُ التكليف على أهل البيت.
-
شكر المعروف والدعاء لهم.
لماذا ربط النبي ﷺ هذه الآداب بالإيمان بالله واليوم الآخر؟
ربط النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآداب بالإيمان بالله واليوم الآخر للأسباب الآتية:
- مراقبة الله، فمن أيقن أن الله يسمع ويرى صان لسانه.
-
استحضار الحساب، فمن تيقَّن يوم الجزاء خاف من تبِعات الكلمات الجارحة وأذى الجار وإهمال الضيف.
-
حقيقة الإيمان عمل، فهوليس دعوى باللسان، بل سلوك يظهر في التعامل.
الدروس المستفادة من الحديث الخامس عشر من الأربعين النووية
- ضبط اللسان واجب إيماني، فقوله ﷺ: «فليقل خيرًا أو ليصمت» يدل على أن الكلام مسؤولية، وأن الكلمة قد ترفع صاحبها أو تهوي به، فالمؤمن الحق لا ينطق إلا بما فيه نفع، ويجعل الصمت عبادة إذا كان الكلام يجلب الضرر أو الفتنة.
- الإيمان يرتبط بالأخلاق والسلوك، فالحديث يربط بين الإيمان بالله واليوم الآخر وبين حسن الخلق، وذلك يؤكد أن الإيمان ليس مجرد شعارات أو عبادات شكلية، بل يترجم إلى تصرفات عملية مع الناس.
- إكرام الجار من تمام الإيمان، حيث جاء الحث على إكرام الجار للتأكيد على مكانته في الإسلام، فالجار شريك في الحياة اليومية، وحسن معاملته سبب لانتشار المودة، أما الإساءة إليه فهي منقصة للإيمان.
- إكرام الضيف عبادة وقربة، فالضيافة ليست عادة اجتماعية فحسب، بل هي خلق إسلامي أصيل يعكس الكرم والمروءة، ويعزز روابط الأخوة، ويترك أثرًا طيبًا في النفوس.
- المسؤولية أمام الله عن الأقوال والأفعال، فالحديث يربط بين السلوك وبين الإيمان باليوم الآخر، ليذكِّر المسلم أن كل كلمة أو موقف سيحاسب عليه، مما يغرس الرقابة الذاتية والخوف من الله.
- الحديث منهج حياة متكامل، فهو يجمع بين إصلاح اللسان، وبناء العلاقات الاجتماعية، وتعزيز الأخلاق الكريمة، مما يجعله قاعدة للتعامل اليومي في البيت والمجتمع.
أثر الحديث على حياة المسلم
الحديث الخامس عشر من الأربعين النووية يترك أثرًا بالغًا في سلوك المسلم وحياته اليومية، حيث يجعله يعيش مراقبة دائمة لله، ويربط أقواله وأفعاله بإيمانه ومصيره في الآخرة.
فهو يعلِّمه أن الكلمة مسؤولية، وأن كل لفظ يخرج من فمه إما شاهد له أو عليه يوم القيامة، فيحرص على أن يكون كلامه نافعًا، خاليًا من الغيبة والنميمة واللغو، أو أن يصمت إن لم يجد خيرًا يقوله، كما يغرس فيه روح الإحسان في المعاملة، فيكرم جاره ويؤديه حقه في المعاملة الحسنة، ويتحمل أذاه إن بدر منه، ويشارك جاره في الأفراح ويواسيه في الأحزان.
كذلك يحفزه الحديث على الكرم مع الضيف، فيجعله يستقبله ببشاشة وكرم، ويقدم له ما تيسر من الضيافة، إدراكًا لعظم أجر إكرام الضيف في الإسلام. وبذلك الحديث تتجسد الأخلاق الفاضلة في حياة المسلم، فيصبح قدوة في كلامه ومعاملاته، ويعيش في مجتمع يسوده الاحترام والتراحم.
أخطاءٌ شائعة تنقض روح الحديث الخامس عشر من الأربعين النووية
-
تأويل الصمت إلى سلبية، فالصمت المقصود عبادة حين يُخشى الشر، لا هروبًا من قول الحق.
-
إكرام الضيف بالمظاهر وإيذاؤه بالمنغِّصات، فالعبرة بحسن المعاملة لا بالتكلُّف والتباهي.
-
حصر الجار في جارك المسلم فحسب، فللجار غير المسلم حق الجوار وكفّ الأذى وبذل المعروف.
-
التوسُّع في المزاح الجارح «كنت أمزح» لا تبرر أذى الكلمة.
-
الاستثناء لنفسي لا لغيري، فأُطالب جاري بحقوقي وأنسى حقوقه عليَّ.
خطة عملية من 7 خطوات لتفعيل الحديث
-
نية يومية: «اللهم اجعل كلامي اليوم خيرًا، واحبس لساني عن الباطل».
-
ذكر اللسان: الإكثار من الذِّكر صباحًا ومساءً؛ فإن اللسان المشغول بالخير أبعد عن الشر.
-
قاعدة «تأكَّد ثم انشر»: لا تشارك خبرًا قبل التثبت.
-
هديةُ الجار: طبقٌ يسير، أو خدمةٌ صغيرة كل شهر.
-
دفتر الضيوف: دوِّن مَن زارك وادعُ له لاحقًا، ورد الزيارة بوقت مناسب.
-
ساعة الخير الأسبوعية: إصلاح ذات بين، أو مشاركة في مبادرة حيك.
-
مراجعة أسبوعية: جلسة هادئة لمحاسبة اللسان وتحديث العادات.
إشارات لغوية وبلاغية في الحديث
في الحديث إشارات لغوية وبلاغية وهي:
-
أسلوب الشرط: «من كان يؤمن… فليقل…» يفيد اللزوم والارتباط؛ كأن الحديث يقول: حقيقةُ إيمانك تُرى في كلامك وسلوكك.
-
التكرار الفني: تكرار الجملة الشرطية ثلاثًا يعمِّق المعنى ويؤكد الأركان الثلاثة للأدب الاجتماعي.
-
«خيرًا» نكرة في سياق الإثبات تفيد العموم: أي كل خير، قليلًا كان أو كثيرًا.
أسئلة شائعة حول الحديث
س1: هل الصمت دائمًا أفضل؟
لا، الكلام واجب إذا تعلَّق بحق لله أو لعباده؛ كشهادة الحق، والنصيحة، وتعليم الجاهل.
والصمتُ مرجَّح عند غلبة الظن بوقوع الضرر أو اللغو.
س2: ما حدود إكرام الجار غير المسلم؟
له حقُّ الجوار قطعًا: كف الأذى، وبذل المعروف، ومساعدته؛ وتزداد الحقوق مع القرابة وحُسن العشرة.
س3: ما درجة الضيافة شرعًا؟
الضيافة من مكارم الأخلاق المؤكدة، وقد جاء بيان حدَّها: ثلاثة أيام، وأدنى الجائزة يومٌ وليلة، وما زاد فهو صدقة؛ بلا تكلُّفٍ مُرهق.
س4: هل يدخل «الكلام على المنصات» في الحديث؟
نعم؛ بل هو أولى بالتحرز؛ لسرعة الانتشار وبقاء الأثر، فانشر ما ترجوه عند الله، وامسح ما تشك فيه.
إشارات تربوية من شروح العلماء
عدَّ أهل العلم هذا الحديث أصلًا في تهذيب اللسان، وركنًا من حقوق الجوار وآداب الضيافة، وبيَّنوا أن قوله: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر» ليس مجرد خبر، بل تحريض وامتحان للنفس فإن زعمتَ الإيمان، فأرِنا أثره، وأن الأمر بـ«فليقل» و«ليصمت» يدل على التكليف لا على الإرشاد الأدبي فحسب؛ لأن المُعلَّق على الإيمان يأخذ حكمَ اللازم له.
والخلاصة أن ضبط اللسان واجب عند خوف الضرر أو اللغو، وأن إيذاء الجار محرم، والإحسان إليه من شعائر الإيمان، وأن الضيافة سنَّةٌ مؤكدة، ولها حدٌّ في الكمال والحد الأدنى.
في الختام، يعد الحديث الخامس من الأربعين النووية حديث صغير الألفاظ، عظيمُ الأثر؛ يجعل الكلمة عبادة، والجار أمانة، والضيف قربة، فإذا أردت أن تختصر سيرك إلى الله في ثلاث خُطى يومية: قل خيرًا، واسكت عن الشر، وأكرم من جاورك وزارك، وهناك يزهر الإيمان خلقًا، وتغدو البيوت والقلوب آمنة، فاللهم طهِّر ألسنتنا من الزلل، وألِّف بين قلوبنا، ووفِّقنا للعمل بما علَّمتنا، إنك ولي ذلك والقادر عليه.
المصدر