إعرف دينكقصص الصحابة

أول من استشهد من الأنصار يوم بدر (عمير بن الحمام الأنصاري)

أول من استشهد من الأنصار يوم بدر (عمير بن الحمام الأنصاري)

تظل غزوة بدر الكبرى، التي وقعت في السابع عشر من رمضان في العام الثاني للهجرة، هي الحدث المحوري الذي غير مجرى التاريخ الإسلامي، وفي قلب هذه المعركة تجلت أسمى صور التضحية والفداء، وعندما نتحدث عن أول من استشهد من الأنصار يوم بدر، فنحن لا نسرد اسماً عابراً في سجلات التاريخ، بل نتأمل في شخصية استثنائية اختصرت المسافة بين الدنيا والجنة في بضع تمرات وكلمات خلدها الدهر. هو الصحابي الجليل عمير بن الحمام رضي الله عنه، الرجل الذي اشتاقت له الجنة قبل أن يشتاق إليها.

الأنصار وغزوة بدر الكبرى

المحتوى :

قبل الخوض في تفاصيل استشهاد عمير بن الحمام يجب أن نفهم السياق الذي جعل من استشهاده حدثاً مفصلياً. الأنصار، وهم أهل المدينة المنورة من الأوس والخزرج، كانوا قد بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم في بيعة العقبة الثانية على حمايته ونصرته، ولكن كانت تلك البيعة مشروطة بحمايته داخل المدينة.

عندما خرج النبي صلى الله عليه وسلم لاعتراض قافلة قريش، ثم تحول الأمر إلى مواجهة مع جيش مكة، كان عليه أن يستشير الأنصار لأن المعركة خارج حدود المدينة، وهنا برزت الروح الفدائية للأنصار، حيث قال سعد بن عبادة رضي الله عنه كلمته المشهورة: “يا رسولَ اللهِ إيَّانا تُريدُ ؟ لو أمَرْتَنا أنْ نخوضَ البحرَ لخُضْناه أو نضرِبَ أكبادَها إلى بَرْكِ الغُمادِ لفعَلْنا”، وفي هذه الأجواء الإيمانية المشحونة بالعزيمة كان عمير بن الحمام يجهز نفسه ليكون في طليعة الركب.

اتفق جمهور المؤرخين وكتاب السير على أن أول من نال شرف الشهادة من قبائل الأنصار (الأوس والخزرج) في معركة بدر هو عمير بن الحمام الخزرجي رضي الله عنه.

أول من استشهد من الأنصار يوم بدر (عمير بن الحمام رضي الله عنه)

من هو عمير بن الحمام؟ (النسب والنشأة)

هو عمير بن الحمام بن الجموح بن زيد بن حرام بن كعب بن غنم بن سلمة، وينتمي إلى بني سلمة، وهي واحدة من أقوى وأكرم بطون قبيلة الخزرج الأنصارية. عُرف بنو سلمة بشجاعتهم النادرة وولائهم المطلق للإسلام، ومنهم خرج الكثير من القادة والشهداء.

نشأ عمير في بيئة يثربية تمتاز بالفروسية والإباء، وعندما أشرقت شمس الإسلام على المدينة كان من السباقين إلى اعتناق الدين الجديد، متأثراً بمصعب بن عمير وبكبار نقباء الأنصار، وتميز عمير بصفاء النفس وصدق السريرة، وهي الصفات التي جعلته لا يتردد لحظة واحدة عندما نادى منادي الجهاد.

مكانة بني سلمة في المجتمع الأنصاري

بنو سلمة الذين ينتمي إليهم أول من استشهد من الأنصار يوم بدر كانت لهم مكانة خاصة عند النبي صلى الله عليه وسلم، فقد قال فيهم: “من سيدكم يا بني سلمة؟” قالوا: الجد بن قيس، على أنا نبخله، فقال النبي: “وأي داء أدوى من البخل! بل سيدكم عمرو بن الجموح”. ومن هذا البيت العريق وبإرث هذه القبيلة، استمد عمير بن الحمام قوته وثباته.

اللحظات الحاسمة “بخٍ بخٍ” وقصة التمرات

وصل جيش المسلمين إلى بدر، وكان عددهم قرابة الثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً، بينما كان جيش قريش يفوق الألف. وقف النبي صلى الله عليه وسلم ينظم الصفوف ويحفز النفوس، ثم قال قولته التي زلزلت كيان عمير بن الحمام: “والذي نفس محمد بيده، لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابراً محتسباً مقبلاً غير مدبر إلا أدخله الله الجنة، قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض”.

“قال عمير بن الحمام: بخٍ بخٍ! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما يحملك على قولك بخٍ بخٍ؟ قال: لا والله يا رسول الله إلا رجاء أن أكون من أهلها، قال: فإنك من أهلها”.

في تلك اللحظة كان عمير يمسك بضع تمرات ليأكلها ويتقوى بها على القتال، وبمجرد أن سمع بشارة النبي صلى الله عليه وسلم، حدث له تحول روحي عجيب، فنظر إلى التمرات في يده، ثم نظر إلى ساحة المعركة، فشعر بفجوة زمنية ومكانية هائلة. قال لنفسه بصوت سمعه من حوله: “لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه، إنها لحياة طويلة!”، فرمى ما بقى معه من تمرات.

ما فعله عمير بن الحمام لم يكن تهوراً، بل كان ذروة الوعي الإيماني، فلقد أدرك أن الحياة الدنيا، بكل ما فيها من حاجات أساسية كالأكل والشرب، هي مجرد عائق أمام النعيم المقيم، ورميه للتمرات كان بمثابة تحلل من قيود الأرض، وإعلان صريح بأن الروح قد ارتقت فوق حاجات الجسد.

اندفاعه نحو الشهادة وكيفية استشهاده

بعد أن رمى التمرات، استل عمير سيفه واندفع نحو صفوف المشركين كالليث، ولم يكن يرتدي درعاً ثقيلاً يعيقه، بل كان خفيفاً، مدفوعاً بقوة اليقين، وبدأ يقاتل ويقول:

رَكضاً إلى اللهِ بغيرِ زادِ
إلا التُّقى وعملِ المعادِ
والصبرِ في اللهِ على الجهادِ
وكلُّ زادٍ عُرضةُ النفادِ
غير التُّقى والبرِّ والرشادِ

التحم عمير مع المشركين، وأثخن فيهم قتلاً وجراحاً، وتقول الروايات التاريخية إنه ظل يقاتل حتى تكالب عليه عدد من فرسان قريش، فأصابوه بجراح بليغة سقط على إثرها شهيداً على أرض بدر المشرقة، ليكون بذلك أول من استشهد من الأنصار يوم بدر في مرحلة القتال العام.

 شهداء بدر من المهاجرين والأنصار

وجه المقارنة شهداء المهاجرين شهداء الأنصار
العدد الإجمالي               6 شهداء                 8 شهداء
أول شهيد    مهجع بن صالح (مولى عمر)    عمير بن الحمام الخزرجي
أبرز الأسماء عبيدة بن الحارث، عمير بن أبي وقاص عوف ومعوذ ابنا عفراء، حارثة بن سراقة
الانتماء القبلي          قريش وحلفاؤهم          الأوس والخزرج

أثر استشهاد عمير بن الحمام على جيش المسلمين

كان لاستشهاد عمير أثر عميق وفوري على الروح المعنوية للمسلمين، وإليك كيف ساهم موقفه في حسم المعركة:

  • كسر حاجز الخوف، فعندما رأى الصحابة شاباً من الأنصار يلقي طعامه ويسرع للموت، تلاشت من نفوسهم هيبة جيش مكة المتفوق في العدد.
  • تجسيد الجنة، حيث حول عمير مفهوم الجنة من “غيب نؤمن به” إلى “واقع نشاهده”، فقد بدا وكأنه يرى مقعده من الجنة خلف صفوف الأعداء.
  • المنافسة في الخير، حيث حفز موقفه بقية الأنصار، فظهرت بطولات عوف ومعوذ ابنا عفراء اللذين سألا عن “أبي جهل” ليقتلاه، تأثراً بروح المبادرة التي أطلقها عمير.
 يُروى أن النبي صلى الله عليه وسلم بعد انتهاء المعركة، تفقد الشهداء ووقف عند عمير بن الحمام، وكان يستذكر كلماته ويترحم عليه، مؤكداً صدق إيمانه الذي تجلى في قصة التمرات.

تفاصيل شهداء الأنصار الثمانية في بدر

رغم أن عمير بن الحمام كان الأول، إلا أن القائمة ضمت أبطالاً آخرين سطروا بدمائهم مجد الأنصار، ونذكر منهم بالتفصيل:

1. حارثة بن سراقة الأنصاري

استشهد حارثة وهو غلام شاب، ولم يكن في قلب المعركة بل كان عند الحوض يشرب، فأصابه سهم طائش (سهم غرب)، وعندما سألت أمه النبي صلى الله عليه وسلم عنه، قال لها: “يا أم حارثة، إنها ليست جنة واحدة، ولكنها جنان كثيرة، وإن حارثة في الفردوس الأعلى”.

2. عوف ومعوذ ابنا الحارث (ابنا عفراء)

بطلا قصة قتل أبي جهل، فعندما سألا النبي صلى الله عليه وسلم عما يضحك الرب من عبده، فأخبرهما أنه “غمس يده في العدو حاسراً”، فنزعا دروعهما وقاتلا حتى استشهدا.

3. يزيد بن الحارث (ابن الفسحم)

صحابي خزرجي من بني الحارث، شهد بدراً وقاتل ببسالة حتى نال الشهادة، وهو من الوجوه الأنصارية التي بايعت بصدق وفدت الإسلام بالروح.

لماذا نركز على “أول من استشهد من الأنصار يوم بدر”؟

البطولة في الإسلام ليست مجرد قتال، بل هي مبادرة، فالأول دائماً يحمل وزر الطريق وصعوبة البداية، فأول من استشهد من الأنصار يوم بدر هو الشخص الذي كسر جمود الانتظار، ففي تلك اللحظة كان المسلمون يواجهون جيشاً منظماً لأول مرة، وكان الخوف البشري الطبيعي موجوداً، فكان عمل عمير بن الحمام هو الصدمة الإيجابية التي دفعت الجميع نحو النصر.

الدروس التربوية المعاصرة من سيرة عمير

1️⃣ اليقين في وعد الله

حين سمع عمير رضي الله عنه قول النبي ﷺ يوم بدر: «قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض» لم يتردَّد، ولم يسأل عن الطريق، بل قال كلمته الخالدة: «بخٍ بخٍ! ما بيني وبين أن أدخلها إلا أن أُقتل»، فكان يقينه بالجنة أعظم من تعلُّقه بالحياة، فمن أيقن بوعد الله، هان عليه كل شيء دونه.

2️⃣ الزهد الحقيقي في الدنيا

كان في يد عمير تمرات، يأكلهنَّ ليقوَّي بدنه، فلما تذكَّر أن الموت في سبيل الله أقرب، رماهنَّ وقال: «لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة»، وأعظم درس نتعلمه هنا أن الزهد ليس ترك المال فقط، بل تقديم الآخرة على كل لذَّة عاجلة.

3️⃣ سرعة الاستجابة لأمر الله ورسوله

لم يؤجِّل عمير رضي الله عنه، ولم يطلب مهلة، ولم يقل بعد قليل، بل بادر فور سماع النداء، فيعلمنا أن الإيمان الصادق يُترجَم إلى عمل سريع لا يعرف التسويف.

4️⃣ الشوق إلى الجنة

لم يكن يقاتل حبًّا في القتال، بل شوقًا إلى لقاء الله، ورضاه، وجنَّته، فمن اشتاق إلى الجنة، هانت عليه المشاق، وخفَّ عليه البلاء.

5️⃣ الصدق مع الله

خرج عمير صادق النية، فبلَّغه الله أعلى المراتب، وختم له بالشهادة، فالصدق مع الله يرفع العبد ولو كان عمله قليلًا.

6️⃣ فهم صحيح لمعنى الحياة

لم يرَ الحياة في طول العمر، بل في رضا الله وحسن الخاتمة، فليست العبرة بطول البقاء، وإنما بعِظَم الأثر عند الله.

7️⃣ التربية النبوية تصنع الرجال

كلمة واحدة من النبي ﷺ حرَّكت قلبه وغيَّرت مصيره، فالكلمة الصادقة إذا خرجت من قلب مؤمن، صنعت أجيالًا.

8️⃣ العمل للآخرة لا ينافي القوة

لم يكن عمير زاهدًا ضعيفًا، بل مجاهدًا قويًا، جمع بين الإيمان والعمل، فالإسلام يربِّي قلوبًا متعلقة بالله، وأجسادًا عاملة في أرضه.

9️⃣ حسن الخاتمة ثمرة الإخلاص

استُشهد عمير في أول معركة فاصلة في الإسلام، فكان مثالًا خالدًا، فمن عاش لله، مات لله، وبُعث على ما مات عليه.

🔟 أثر القدوة الصالحة

قصة عمير بقيت حيَّة، تُحيي القلوب بعد قرون، فالعمل الصادق يخلِّد صاحبه ولو قصر عمره.

الرد على الشبهات والمبالغات

في بعض الروايات الضعيفة أو المبالغ فيها، قد يُصور عمير بن الحمام وكأنه ألقى بنفسه للتهلكة، والحقيقة الشرعية والتاريخية تنفي ذلك؛ فعمير كان يطبق توجيهاً نبوياً مباشراً بالهجوم، وكان يهدف النيل من العدو وهزيمته، كما أن اقتحام الصفوف في الفقه الإسلامي يُعتبر من أعلى درجات الشجاعة إذا كان فيه مصلحة للمسلمين، وهو ما حققه عمير بكسر شوكة المشركين نفسياً.

في الختام،  بعد أن عرفنا أول من استشهد من الأنصار يوم بدر نؤكد أن عمير بن الحمام الأنصاري سيظل رمزاً للسرعة في الاستجابة لأوامر الله، فلقد كان استشهاده في يوم بدر علامة فارقة، حيث أثبت أن أهل المدينة (الأنصار) قد استوعبوا رسالة الإسلام تماماً كما استوعبها المهاجرون، بل وسابقوهم في التضحية بالأرواح في تلك الموقعة الخالدة.

خلاصة القول إذا سُئلت في أي محفل عن أول من ارتقى شهيداً من الأنصار في غزوة بدر، فالإجابة القاطعة هي عمير بن الحمام الخزرجي، بطل التمرات والجنة.

إن قصة عمير بن الحمام هي دعوة لكل مسلم ليتأمل في تمرات حياته؛ ما هي الأشياء البسيطة التي تشغلنا عن أهدافنا الكبرى؟ وكيف يمكننا أن نملك ذلك اليقين الذي جعل الموت في سبيل الله أشهى من لقمة الطعام؟ رحم الله عمير بن الحمام، وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.

المصدر

1، 2، 3

هل ترغب في معرفة المزيد عن قصص شهداء بدر الآخرين؟ أو ربما تود دليلاً شاملاً عن خطة المعركة العسكرية؟

اكتب لنا في التعليقات أو تصفح مقالاتنا القادمة حول تاريخ الصحابة الكرام.

 

زر الذهاب إلى الأعلى
المحتوى :
Index