إعرف دينكمواضيع تعبير دينية

أسرار اسم ذو الجلال والإكرام (أسماء الله الحسنى)

أسرار اسم ذو الجلال والإكرام (أسماء الله الحسنى)

حين نتأمل في أسماء الله الحسنى نجد أن بعضها يملأ القلب رجاءً، وبعضها يورث الخشية والرهبة، وبعضها يجمع بين المقامين معًا في توازن عجيب. ومن أعظم هذه الأسماء الجامعة اسم الله ذو الجلال والإكرام؛ ذلك الاسم الذي ختمت به سورة الرحمن، السورة التي تُعد من أكثر سور القرآن استعراضًا لنعم الله وعظمته، وكأنها تمهّد القلب ليقف في نهاية المطاف خاشعًا أمام ربٍ عظيمٍ كريم.

إن الحديث عن ذو الجلال والإكرام ليس حديثًا وعظيًا مجردًا، ولا تذوقًا أدبيًا فحسب، بل هو باب من أبواب العقيدة، ومعرفة بالله تعالى كما أمرنا أن نعرفه، بلا إفراط ولا تفريط، وبلا غلو ولا تقصير. فالأسماء الحسنى توقيفية، لا يُثبت منها إلا ما ثبت في القرآن أو السنة الصحيحة، ولا يُفسَّر إلا بما دل عليه لسان العرب وأقوال السلف.

سنتعرف في هذا المقال على أسرار اسم الله ذو الجلال والإكرام وأثره على النفس.

معنى اسم الله ذو الجلال والإكرام في اللغة والاصطلاح

لفهم أسرار ذو الجلال والإكرام، يجب أولاً تفكيك الاسم إلى جزئيه الأساسيين:

معنى “ذو الجلال”

الجلال في اللغة هو العظمة والكبرياء، وعندما نقول إن الله “ذو الجلال”، فنحن نقر بأنه المستحق وحده لأن يُهاب ويُعظم، فهو الذي لا تدركه الأبصار، والذي خضعت له الرقاب، وعنت له الوجوه، والجلال يملأ القلب بالهيبة والتعظيم، ويمنع العبد من اجتراء المعاصي، فلا عظيم إلا هو، وكل عظمة في الخلق هي ظل باهت لعظمته، كما أنه الجليل الذي لا يحتاج لأحد، والكل مفتقر إليه، وجلاله يقتضي تنزهه عن النقص والمثيل والصاحبة والولد.

معنى “الإكرام”

الإكرام هو سعة الجود والفضل، فالله سبحانه ليس عظيماً مهاباً فقط، بل هو مُكرم لعباده، يفيض عليهم من نِعمه الظاهرة والباطنة، والإكرام يملأ القلب بالمحبة والرجاء والطمع فيما عند الله، فهو يعطي الدنيا لمن يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الدين إلا لمن أحب، ويكرم عباده المؤمنين في الدنيا بالسكينة، وفي الآخرة بالنظر إلى وجهه الكريم، كما يستر القبيح ويظهر الجميل، وهذا من محض إكرامه.

✨اسم الله ذو الجلال والإكرام يعني أنه سبحانه المستحق للتعظيم (الجلال) والمستحق للمحبة والشكر لإنعامه (الإكرام).

ذو الجلال والإكرام في القرآن

ورد اسم ذو الجلال والإكرام صريحًا في موضعين من سورة الرحمن:

﴿وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ (سورة الرحمن، الآية 27)

﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ (سورة الرحمن، الآية 78)

وهذان الموضعان ليسا عابرين في السياق، بل جاءا في موضعين عظيمين من البناء الموضوعي للسورة.

الآية الأولى (البقاء بعد الفناء)

تأتي الآية بعد قوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾، فإذا فنيت الخلائق كلها، وبقي الله وحده، جاء الوصف ذو الجلال والإكرام.

قال الإمام ابن كثير: “أي هو الباقي الذي لا يزول، العظيم المتعالي المتصف بصفات الكمال”.

وهنا يظهر أول أسرار الاسم أن الجلال مرتبط بالبقاء المطلق، وأن كل جلال في الدنيا زائل، أما جلال الله فباقٍ لا يفنى.

الآية الثانية (خاتمة سورة الرحمن)

اختُتمت السورة بقوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾

سورة الرحمن استعرضت خلق الإنسان والجن، تعليم القرآن، تسخير الشمس والقمر، البحار والأنهار، مشاهد القيامة، ونعيم الجنة، ثم ختمت بتعظيم الاسم، وكأن كل هذه الآيات تقول: “إن وراء هذا كله ربًا ذو الجلال والإكرام”، فالخاتمة إعلان تعظيم بعد استعراض النعم والقدرة.

لماذا اقترن الجلال بالإكرام؟ 

من أعظم أسرار اسم الله ذو الجلال والإكرام هو هذا الجمع المعجز بين صفتين قد يبدوان في الظاهر متضادتين (الهيبة واللطف).

  • كمال السلطان، فلو كان الله “ذا جلال” فقط دون إكرام، لهابته القلوب هيبة رعب ويئست من قربه، ولو كان “ذا إكرام” فقط دون جلال، لاجترأ الناس على حدوده.

  • تحقيق العبودية، فالعبادة طائر جناحه الأول “الخوف” (مقتضى الجلال) وجناحه الثاني “الرجاء” (مقتضى الإكرام)، وباسم ذو الجلال والإكرام يستقيم طيران العبد نحو ربه.

  • الجمال والجلال، حيث يقول المحققون من أهل العلم إن الجلال يرجع إلى صفات القهر والقوة، والإكرام يرجع إلى صفات الجمال والرحمة، فالله سبحانه جميل في جلاله، وجليل في جماله.

  • سر التربية الإيمانية، فلو استحضر العبد الجلال وحده، ربما وقع في اليأس، ولو استحضر الإكرام وحده، ربما وقع في الغرور، لكن اجتماع الجلال والإكرام يصنع قلبًا متزنًا.

أسرار الإلحاح بذكر يا ذا الجلال والإكرام في السنة

وردت وصية نبوية غالية في قوله ﷺ: “ألظُّوا بيا ذا الجلال والإكرام”، والإلظاظ هو المداومة واللصوق، فلماذا هذا التأكيد؟.

  • مفتاح الاسم الأعظم، حيث رُوي عن عدد من الصحابة أنهم سمعوا النبي ﷺ يقر بأن من دعا بهذا الاسم فقد دعا باسم الله الأعظم.

  • جامع الثناء، فالثناء على الله يكون بتمجيده (الجلال) وشكره (الإكرام)، وقولك “يا ذا الجلال والإكرام” يجمع المحمدتين في جملة واحدة.

  • استحضار العظمة عند المسألة، فعندما تقول “يا ذا الجلال” فأنت تعترف بفقرك وعجزك أمام عظمته، وعندما تقول “والإكرام” فأنت تستنزل جوده، وهذا هو أدب الدعاء الذي يضمن الإجابة.

أثر الإيمان باسم ذو الجلال والإكرام في تزكية النفس

  • كسر طغيان النفس، فحين تستشعر معنى ذو الجلال، تدرك صغرك أمام كبرياء الله، وهذا اليقين يقتل الكبر والغرور في النفس البشرية، فمن أنت أيها الإنسان لتتكبر، وربك هو صاحب الجلال المطلق؟.

  • تعظيم شعائر الله، فمن عرف أن ربه ذو الجلال عظَّم الصلاة، والقرآن، والحرمات.

  • التحرر من عبودية الخلق، فأكبر سر في ذو الجلال والإكرام هو العزة، فالمسلم الذي يعلم أن الرزق والإكرام بيد صاحب الجلال وحده، لا يذل نفسه لمدير أو حاكم أو صاحب مال، ويوقن أن الخلق وسائط، والمكرم الحقيقي هو الله.

  • الصبر في البلاء، فعندما يبتلي الله عبده، فإن العبد يرى في البلاء جلال القدرة، ويرتقب بعده إكرام اللطيف، والمؤمن يعلم أن من جلاله أن يختبرك، ومن إكرامه أن يثيبك على الصبر.

  • حسن الظن بالله، لأنه ذو الإكرام، لا يضيع عملًا، ولا يرد تائبًا.

تجليات اسم ذو الجلال والإكرام في الكون

لو نظرت حولك، ستجد أن الكون كله لوحة رسمتها صفات ذو الجلال والإكرام:

  • في السماء نجد النجوم والمجرات الشاسعة والصدوع الكونية تجلي لصفة “الجلال”، أما ضوء النجوم الذي يهتدي به المسافرون، ونزول المطر منها، فهو تجلي لصفة “الإكرام”.

  • في البحار نجد الأمواج المتلاطمة والأعماق المظلمة المخيفة (جلال)، واللؤلؤ والمرجان والسمك الطري (إكرام).

  • في الإنسان نجد دقة الخلق وعظمة تكوين الدماغ والقلب (جلال)، ومنحه العقل والمشاعر والهداية (إكرام).

كيف يكون “الإكرام” منهج حياة؟

الله هو ذو الجلال والإكرام، وقد أمرنا أن نتخلق (بما يليق بعبوديتنا) بآثار هذه الأسماء:

  • إكرام النفس، بتنزيهها عن المعاصي، فمن عصى الله فقد أهان نفسه وما أكرمها.

  • إكرام الخلق، فالنبي ﷺ قال: “من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه.. وجاره”. نحن نكرم الناس لأننا نعبد “الأكرم”.

  • إعظام شعائر الله، وهذا مقتضى “الجلال” ﴿ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾.

هل اسم ذو الجلال والإكرام هو الاسم الأعظم؟ 

لقد اجتهد العلماء في تحديد اسم الله الأعظم الذي إذا دُعي به أجاب، وهناك قرائن قوية تجعل ذو الجلال والإكرام هو المختار:

  • أنه الاسم الذي أثنى به الله على نفسه في نهاية “عروس القرآن” (سورة الرحمن).

  • أنه الاسم الذي كان النبي ﷺ يختم به صلاته بعد الاستغفار.

  • أنه يجمع صفتي “الرهبة” و”الرغبة”، ومدار الدين كله عليهما.

أخطاء شائعة في فهم اسم ذو الجلال والإكرام

من الأمانة العلمية أن ننبه إلى بعض المفاهيم المغلوطة:

  • الخلط بين الجلال والتكبر البشري، فجلال الله صفة كمال، أما كبرياء البشر فهو نقص وادعاء لما ليس لهم.

  • ظن أن الإكرام مادي فقط، فبعض الناس يحزن إذا قل ماله ويظن أن الله لم يكرمه، والحقيقة أن أعظم إكرام هو الهداية للصلاة وذكر الله.

  • حصر الاسم في الدعاء فقط، فاسم الله ذو الجلال والإكرام منهج استقامة واستشعار لعظمة الخالق.

كيف تبرمج يومك بذكر “يا ذا الجلال والإكرام”؟

إليك مقترح عملي لتعيش في أنوار هذا الاسم:

  • ابدأ يومك بقول “اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام”، واستشعر أن يومك سيمر تحت رعاية العظيم الكريم.

  • إذا واجهت صعوبة، قل “يا ذا الجلال” (يا من لك القدرة) “أكرمني” بتيسير هذا الأمر.

  • إذا أكلت أو شربت أو نجحت، قل “هذا من إكرام ذي الجلال والإكرام”، لتنسب الفضل لله وتشكره عليه.

  • راجع يومك قبل النوم، واستغفر لجلاله، واشكر لإكرامه.

حقيقة العطاء والمنع في ظل اسم ذو الجلال والإكرام

قد يتساءل البعض: “أدعو باسم ذو الجلال والإكرام ولا أرى إكراماً في حاجتي؟”.

الجواب يكمن في سر الجلال، فمن جلاله وسلطانه أنه يعلم ما ينفعك وما يضرك، وأحياناً يكون المنع هو عين الإكرام، فلو أعطاك ما يطغيك، لكان ذلك إهانة لا إكراماً، فالله يكرمك بصرف السوء عنك بقدر ما يكرمك بإعطاء الخير لك.

ماذا تعلمنا من اسم ذو الجلال والإكرام؟

إن الوقوف في حضرة اسم الله ذو الجلال والإكرام يعلمنا التواضع في قمة النجاح، والأمل في قمة الفشل، فهو الاسم الذي يضبط إيقاع الروح، فلا تطغى إذا استغنت، ولا تيأس إذا افتقرت.

  • الجلال يمنحك الهيبة والوقار والالتزام.

  • الإكرام يمنحك الحب والأنس والرجاء.

وباجتماعهما في قلبك، تصبح عبداً ربانياً، يرى في كل تفصيلة من تفاصيل حياته أثراً لصاحب العظمة والجود.

في الختام، نجد أن الوقوف في محراب اسم الله ذو الجلال والإكرام هو وقوف على عتبات الحقيقة الكبرى؛ حقيقة أن هذا الكون يُدار بقدرة تُهاب (الجلال) ورحمة تُحاب (الإكرام)، ولقد غصنا في أسرار هذا الاسم لنكتشف أن كمال العبودية يكمن في سجدة يمتزج فيها انكسار العبد أمام عظمة ذو الجلال، باطمئنانه لفيض جود ذو الإكرام.

هذا الاسم هو ترياق القلوب المجهدة؛ فكلما أرهقك جلال القدر بصعوبته، استنزل سعة الإكرام بدعائك، وإن “الإلظاظ” بهذا الاسم هو سر المحبين الذين وجدوا في هيبة الله أنساً، وفي عطائه كفاية، فكن ممن يقدُّرون الله حق قدره، ويرجون فضله حق رجائه، واجعل من ذو الجلال والإكرام مأواك الدائم الذي لا تضيق بمجاوره السبل.

        السر كله في “يا ذا الجلال والإكرام” أنك تنادي من لا يعجزه شيء، ومن لا يبخل بشيء.

المصدر

1

زر الذهاب إلى الأعلى
Index