هل يجوز قراءة القرآن وأنا مستلقي؟

القرآن الكريم هو مائدة الله في الأرض، والتقرب إليه هو غاية المتقين وراحة المحبين، وفي زحام الحياة قد يجد المسلم نفسه مجهداً بدنياً، أو يرغب في استغلال دقائق ما قبل النوم في مراجعة ورده القرآني، وهنا يبرز التساؤل الهام: هل يجوز قراءة القرآن وأنا مستلقي؟ هذا السؤال ليس مجرد استفتاء عابر، بل هو بوابة لفهم مرونة الشريعة الإسلامية وكيف احتوت أحوال الإنسان المختلفة (القيام، القعود، والاضطجاع).
سنتعرف في السطور التالية، بالأدلة الشرعية حكم قراءة القرآن مستلقيًا، ونستعرض آراء المذاهب الأربعة، ونناقش آداب التعامل مع المصحف في وضعية الاستلقاء، لنقدم لك الإجابة الشافية والوافية.
فضل قراءة القرآن الكريم في حياة المسلم
قبل أن نتناول مسألة هل يجوز قراءة القرآن وأنا مستلقي من المهم أن نتذكر أولًا فضل قراءة القرآن الكريم ومكانته في الإسلام، فالقرآن هو أعظم كتاب عرفته البشرية، وهو كلام الله الذي أنزله هداية للناس ورحمة للعالمين، وقد جعل الله تعالى تلاوة القرآن من أفضل الأعمال وأعظم القربات.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ (سورة الإسراء، الآية 9).
كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ﴾
(سورة فاطر، الآية 29)
وفي السنة النبوية وردت نصوص كثيرة تبين عظيم أجر تلاوة القرآن، فقد قال النبي ﷺ: “منْ قرأَ حرفًا من كتابِ اللهِ فله به حسنةٌ ، والحسنةُ بعشرِ أمثالِها لا أقولُ آلم حرفٌ ، ولَكِن ألِفٌ حرفٌ، ولامٌ حرفٌ، وميمٌ حرفٌ” (رواه الترمذي).
وقال ﷺ: “خيركم من تعلم القرآن وعلمه” (رواه البخاري).
وهذا يدل على أن قراءة القرآن عبادة عظيمة ينبغي للمسلم أن يحرص عليها في كل وقت، ولذلك جاء الإسلام بالتيسير في هذه العبادة حتى يستطيع المسلم الإكثار منها.
الأصل الشرعي التيسير لا التعسير
وقبل أن نفصل في إجابة هل يجوز قراءة القرآن وأنا مستلقي، يجب أن ندرك قاعدة أصولية كبرى وهي: “الأصل في العبادات القولية (كالذكر والقراءة) الإطلاق في الأحوال، إلا ما دل الدليل على تقييده”، فالله عز وجل يريد بنا اليسر، وقراءة القرآن ذكر، والذكر مشروع في كل وقت وحين وعلى أي هيئة كانت، طالما كان المكان طاهراً والعبد على طهارة (في حال مس المصحف).
الأدلة من محكم التنزيل
حين نتأمل آيات الذكر الحكيم، نجد أن الله سبحانه وتعالى قد خصَّ بالثناء والرضوان عباداً لم تمنعهم ظروفهم ولا هيئاتهم عن ذكره، فجعلوا من طاعته رفيقاً لهم في كل حال، سواء كانوا قائمين، أو قاعدين، أو مضطجعين.
يقول الله تعالى: {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ} [سورة آل عمران، الآية 191]، وكلمة “على جنوبهم” تشمل صراحة وضعية الاضطجاع والاستلقاء، وبما أن القرآن هو ذروة الذكر وأفضله، فإن قراءته حال الاستلقاء تدخل في عموم هذه الآية الكريمة، فالمسلم الذي يسأل هل يجوز قراءة القرآن وأنا مستلقي يجد الإجابة في مدح الله لمن يفعل ذلك.
والله تعالى قال أيضًا: {فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِكُمْ} [سورة النساء، الآية 103]، وهذا تأكيد آخر على أن هيئة البدن ليست عائقاً أمام تدبر كلام الله والاشتغال به.
الأدلة من السنة النبوية
لقد كان النبي ﷺ هو قرآن يمشي على الأرض، وكان أحرص الناس على تعليم أصحابه وأمته آداب التعامل مع كلام الله، فماذا ورد عنه بشأن سؤالنا: هل يجوز قراءة القرآن وأنا مستلقي؟
تروي السيدة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها -وهي الأعلم بشؤون النبي ﷺ في بيته- قائلة: “لقد كانَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ يضَعُ رأسَهُ في حِجري وأنا حائضٌ ويقرأُ القرآنَ” (رواه البخاري ومسلم)، وهذا الحديث هو قاعدة في هذه المسألة، فالاتكاء هو نوع من الاستلقاء أو الميل عن الجلوس المستقيم، فإذا كان النبي ﷺ يقرأ وهو متكئ، بل وفي حجر زوجته وهي حائض (مع ما قد يتوهمه البعض من تحرج في ذلك)، فإنه يقطع الشك باليقين لكل من يسأل هل يجوز قراءة القرآن وأنا مستلقي.
وكان من سنة النبي ﷺ الثابتة أنه إذا أوى إلى فراشه كل ليلة، جمع كفيه ثم نفث فيهما فقرأ: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} والمعوذتين، ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده، والبدء بالقراءة والمسح يكون وهو في فراشه، أي في حالة تهيؤ تام للاستلقاء أو الاستلقاء بالفعل، وهذا دليل عملي متكرر يومياً على جواز ذلك.
آراء المذاهب الفقهية الأربعة
اجتمع فقهاء الأمة على إباحة هذا الفعل، بل ورأوا فيه دليلاً على رغبة المسلم في عدم انقطاعه عن الوحي.
| المذهب الفقهي | الرأي في قراءة القرآن حال الاستلقاء | التعليل |
| الحنفية | جائز شرعاً ولا كراهة فيه. | لأن الذكر مطلوب في كل حال، والمنع يحتاج لدليل. |
| المالكية | جائز، ويرون أن العبرة بخشوع القلب لا بهيئة البدن. | استناداً لآيات سورة آل عمران والنساء. |
| الشافعية | جائز، وصرحوا بجواز القراءة للمضطجع والماشي. | لثبوت فعل النبي ﷺ في حديث عائشة. |
| الحنابلة | جائز، وهو من قبيل التوسعة على العباد. | القرآن ذكر، والذكر لا يشترط له القعود. |
وبناءً على هذا الإجماع، فإن من يسأل هل يجوز قراءة القرآن وأنا مستلقي يمكنه أن يطمئن تماماً لسلامة عبادته وصحة فعله.
هل كان الصحابة يقرأون القرآن في كل الأحوال؟
كان الصحابة رضي الله عنهم يكثرون من ذكر الله وتلاوة القرآن في معظم الأوقات، وقد فهموا من قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ أن ذكر الله لا يقتصر على هيئة واحدة، ولهذا كان بعضهم يقرأ القرآن أثناء السفر، وأثناء العمل، وقبل النوم، وكل ذلك داخل في باب الذكر المشروع.
آداب الخلوة بالقرآن وأنت مستلقي
بالرغم من أن الإجابة على هل يجوز قراءة القرآن وأنا مستلقي هي الجواز، إلا أن أدب المحب يقتضي مراعاة بعض الأمور التي تزيد من أجر القارئ:
-
استقبال القبلة (إن أمكن)، فإن تيسر لك توجيه جسدك نحو القبلة وأنت مستلقي، فهذا أكمل في الأدب، وإن لم يتيسر فلا حرج.
-
ستر العورة، فقراءة القرآن هي مناجاة للخالق، فينبغي للمسلم والمسلمة أن يكونوا في هيئة ساترة ومحتمة أثناء القراءة، فلا يقرأ الرجل وهو يلبس ما يقصر عن ركبتيه مثلاً (من باب الأدب لا الوجوب الشرعي الذي يبطل القراءة).
-
تجنب مد الرجلين باتجاه المصحف، فهذا من أكثر الآداب التي شدد عليها العلماء، فإذا كنت تستخدم مصحفاً ورقياً، فلا تمد قدميك نحوه؛ لأن في ذلك استهانة رمزية، والمؤمن يعظم شعائر الله.
-
السكون والوقار، فحاول أن تقلل من الحركة العبثية وأنت مستلقي، وركز بصرك في الكلمات وقلبك في المعاني.
التحليل النفسي والروحي للقراءة حال الاستلقاء
لماذا يسأل الناس هل يجوز قراءة القرآن وأنا مستلقي؟ غالباً ما يكون ذلك في حالات التعب أو المرض أو الرغبة في الاسترخاء.
-
كسر حاجز الهجر، فالكثير من الناس يمتنعون عن القراءة لأنهم يظنون أنها تتطلب جلسة التربع الرسمية لساعات، وعندما نعلم أن الاستلقاء جائز، فإننا نفتح الباب للارتباط اليومي بالقرآن دون ضغوط جسدية.
-
علاج الأرق بالقرآن، فقد أثبتت التجارب الروحية أن الاستلقاء وقراءة سورتي يس أو الواقعة أو الملك يبعث في النفس هدوءاً لا مثيل له، ويطرد الكوابيس والوساوس.
-
الاستئناس بالله في جوف الليل، حين يستلقي العبد وحيداً ويقرأ القرآن، يشعر بمعية الله الخاصة، وهي حالة إيمانية عالية قد لا تتوفر في الزحام أو الجلسات الرسمية.
حالات خاصة (المرضى والعجزة)
بالنسبة للمريض الذي لا يستطيع الجلوس، فإن سؤال هل يجوز قراءة القرآن وأنا مستلقي ينتقل من دائرة الجواز إلى دائرة الأفضلية وربما الوجوب إذا كان هذا هو سبيله الوحيد للذكر، فإن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها، وقراءة المريض وهو مستلقي لها أجر عظيم، بل قد يكون أجره مضاعفاً بسبب صبره على المرض وحرصه على القراءة رغم الألم.
رد على شبهات المتشددين في هذه المسألة
قد يخرج البعض ليقول إن القراءة وأنت مستلقي فيها قلة أدب مع الله، والرد عليهم يكون بالآتي:
-
الشرع فوق العاطفة، فالنبي ﷺ هو أعظم الناس أدباً مع الله، وقد فعل ذلك.
-
القلب هو الميزان، فربَّ شخص مستلقي وقلبه يقطر بخشية الله وتدبر آياته، وربَّ شخص جالس بظهره مستقيماً وقلبه لاهٍ ساهٍ.
-
التيسير مقصد شرعي، فمنع الناس من القراءة حال الاستلقاء قد يؤدي إلى هجر القرآن، والله يريدنا أن نذكره دائماً.
إذن خلاصة الرد على من يسأل هل يجوز قراءة القرآن وأنا مستلقي هي: “نعم، والشرع يؤيدك، والنبي ﷺ قدوتك”.
هل قراءة القرآن وأنا مستلقي تقلل الأجر؟
يظن بعض الناس أن قراءة القرآن مستلقيًا تقلل الأجر أو أنها أقل فضلًا من القراءة جالسًا، والحقيقة أن الأجر مرتبط أساسًا بالإخلاص والتدبر وليس بالهيئة فقط.، والله تعالى يقول: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ (سورة النساء، الآية 82)، فالمقصود من القراءة هو التدبر والخشوع، وليس مجرد الشكل الخارجي للهيئة، ومع ذلك فقد ذكر العلماء أن الجلوس بخشوع أفضل في كثير من الأحيان، لأنه يساعد على التركيز والتأمل في معاني القرآن.
متى يكون الجلوس لقراءة القرآن أفضل؟
رغم جواز قراءة القرآن مستلقيًا، إلا أن الجلوس يكون أفضل في بعض الحالات مثل:
-
أثناء التلاوة الطويلة.
-
أثناء دراسة التفسير.
-
أثناء الحفظ والمراجعة.
-
في حلقات العلم.
وذلك لأن الجلوس يساعد على الخشوع والتركيز واحترام المصحف، لكن هذا لا يعني أن القراءة مستلقيًا مكروهة أو غير جائزة.
في ختام رحلتنا المعرفية حول سؤال هل يجوز قراءة القرآن وأنا مستلقي، ندرك يقيناً أن أعظم ما يميز علاقتنا بكلام الله هو الاتصال لا الشكل، فالقرآن لم ينزل ليكون حبيس المحاريب أو فوق الأرفف العالية فقط، بل نزل ليكون رفيقاً للمؤمن في ليله ونهاره، في صحته ومرضه، وفي نشاطه وإرهاقه.
إن سماحة الإسلام تتجلى في تلك اللحظات التي تضع فيها رأسك على وسادتك، وتفتح مصحفك لتختم يومك بآيات السكينة؛ حينها يطمئن قلبك بأن الله يتقبل منك هذا القرب، ويباهي بك ملائكته لأنك لم ترضَ بغير كلامه ختاماً ليومك، فالإجابة على سؤال هل يجوز قراءة القرآن وأنا مستلقي ليست مجرد فتوى فقهية بالجواز، بل هي دعوة مفتوحة لك لتمسك بحبل الله في كل حين، فلا تجعل التعب البدني يحرمك من الشفاء الروحي.
اجعل مصحفك رفيقك، ولا تتحرج من القراءة وأنت في فراشك، فالمولى عز وجل الذي أثنى على الذاكرين “على جنوبهم” ينتظر منك تلك المناجاة الرقيقة في جوف الليل.
طبت وطابت قراءتك، وجعل الله القرآن ربيع قلبك ونور صدرك في كل حال.
المصدر













