إعرف دينكأسئلة

ما هي مكروهات الصلاة في الإسلام؟

تعرف على مكروهات الصلاة في الإسلام

ما هي مكروهات الصلاة في الإسلام؟

مكروهات الصلاة تلك الحواجز الخفية التي قد تقف بين قلب العبد وربُّه، فتخفف من نور الخشوع، وتضعف قوة السكينة في قلبه، حتى وإن كانت صلاته صحيحة من حيث الأركان، فهي أفعال أو أقوال صغيرة تبدو للوهلة الأولى بلا أثر، لكنها في حقيقة الأمر تسرق روح الصلاة من المصلي، وتحرمه من لذة اللقاء مع الله، وتجعل قلبه مشغولاً بما حوله بدل ما هو فيه من حضورٍ كامل في مقام الوقوف بين يدي الملك القدوس.

لقد جاءت الشريعة الإسلامية لتعلِّم المؤمن أدق تفاصيل عباداته، فهي لا تترك شيئًا صغيرًا إلا وقد أرشدت إليه؛ لأن الله سبحانه وتعالى يريد لعباده أن يُحسنوا صلاتهم، لا بالشكليات فحسب، بل بالخشوع والطمأنينة وحضور القلب والجوارح كلها، ومن هذا المنطلق وضع العلماء بابًا مهمًا في الفقه يعرف بـمكروهات الصلاة، وهي أفعال لا تُبطل الصلاة لكنها تنقص من كمالها، وتضعف أثرها الروحي، وتبعد المصلي عن المقصود الحقيقي من الوقوف بين يدي الله.

سنتعرف في هذا المقال على مكروهات الصلاة في الإسلام، وسنتعلم هنا كيف يراقب المصلي جوارحه وقلبه، وكيف يبعد كل ما يلهيه عن طاعته، وكيف يمكن لكل حركة صغيرة أو تفصيل بسيط أن يزيد من نور الصلاة في قلبه، ويقرِّب بينه وبين الله سبحانه وتعالى، فتتحول الصلاة من مجرد عبادة شكلية إلى لقاء حي متجدد مع الرحمن الرحيم.

ما معنى مكروهات الصلاة؟

قبل معرفة مكروهات الصلاة، لابد من فهم معنى المكروه في الاصطلاح الفقهي.

فالمكروه ما طلب الشارع تركه دون إلزام، بحيث يثاب تاركه امتثالًا ويُعفى فاعله من الإثم، لكن ينقص أجره، والإمام النووي رحمه الله: “المكروه هو ما يُثاب على تركه ولا يُعاقَب على فعله، وهو خلاف الأولى”.

وليس كل مكروه باطلًا، وليس كل مكروه محرَّمًا، ولكنه شيء ينقص كمال الصلاة، كما جاء عن الأئمة كالشافعي وأحمد ومالك.

مكروهات الصلاة في الإسلام

1) الالتفات في الصلاة بغير حاجة

يعد الالتفات من أشهر المكروهات، لأنه ينافي الخشوع، فعن عائشةَ رضيَ اللَّهُ عنْها قالت سألتُ رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّمَ عنِ التفاتِ الرَّجلِ في الصَّلاةِ فقالَ إنَّما هوَ اختلاسٌ يختلسُهُ الشَّيطانُ من صلاةِ العبدِ (رواه البخاري).

والاختلاس يعني أخذ القلب بعيدًا عن مقام الوقوف بين يدي الله، وقد أجمع العلماء أن الالتفات بالرأس دون الجسد مكروه، أما الالتفات بالجسد فيقترب من التحريم.

لماذا هو مكروه؟
لأنه يقطع الخشوع ويحرم العبد من لذة المناجاة.

2) رفع البصر إلى السماء

وهو من المكروهات الشديدة، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال محذرًا: «ما بالُ أقوامٍ يرفَعون أبصارَهم إلى السَّماءِ في صلاتِهم [فاشتدَّ قولُه في ذلك] حتَّى قال: لينتَهُنَّ عن ذلك أو لتُخطَفَنَّ أبصارُهم» (رواه مسلم)، ورغم أن بعض العلماء عدُّوه قريبًا من التحريم، إلا أن جمهور الفقهاء يرونه مكروهًا تنزيهيًا شديدًا.

3) التثاؤب في الصلاة دون مقاومة

التثاؤب باب يدخله الشيطان، وقد جاءت النصوص بالنهي عنه، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «إذا تثاءَب أحدُكم فليكظِمْ ما استطاع أو ليضَعْ يدَه على فيه فإنَّه إذا تثاءَب فقال: آه فإنَّما هو الشَّيطانُ يضحَكُ مِن جوفِه» (رواه مسلم)، لذلك عدَّه الفقهاء من مكروهات الصلاة، خصوصًا إذا فتح فمه بلا سد لليد أو الكف.

4) العبث أثناء الصلاة

من مكروهات الصلاة العبث أثناء الصلاة مثل تحريك الملابس بغير حاجة، أو لمس الهاتف، أو اللعب باللحية، أو تحريك الأصابع، أو تعديل النظارة دون سبب، وقد قال الإمام ابن قدامة: “كل فعلٍ ليس من الصلاة، ويكثر منه، ويخرج به عن هيئة الخاشع، فهو مكروه”، والعبث يقتل الخشوع، ويجعل الصلاة حركات بلا حضور.

5) كف الثياب أو الشعر أثناء الصلاة

مثل رفع الثوب أو جمع الشعر أو ربطه أثناء الركوع والسجود، فعن عبدالله بن عباس رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال: «أُمرتُ أن أَسجدَ على سبعةٍ ولا أَكُفَّ شَعْرًا ولا ثوبًا» (رواه مسلم)، والمقصود: تركهما على حالهما دون شد أو ضم.

6) الصلاة أمام شيء يشغل أو يلهي

الصلاة أمام أي شيء يشغل أو يلهي كالصلاة أمام تلفاز مفتوح، أو أمام مرآة، أو أمام صور، أو قرب أشياء لامعة أو تتحرك، لأنها تشتت القلب وتصرفه عن الخشوع، وقال الإمام ابن تيمية: “كل ما يشغل المصلي عن صلاته فهو مكروه”.

7) تغميض العينين بلا حاجة

رغم أن بعض الناس يظنون أن تغميض العينين يزيد الخشوع، إلا أن جمهور العلماء يرونه مكروهًا لأنه من فعل اليهود في صلواتهم، لكن إذا كان المكان مليئًا بالمشوشات، فالتغميض جائز لا كراهة فيه.

8) الصلاة وثوب المصلي مشمَّر أو مرفوع بلا سبب

مثل رفع الأكمام للعضد دون حاجة، أو رفع الإزار فوق المعتاد، وذلك لأن فيه تشبُّه بكبراء الجاهلية، وقد عده الفقهاء مكروهًا لما فيه من هيئة لا تليق بالخشوع.

9) الإسراع في الصلاة (نقر الصلاة)

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «لَا يَنظُرُ اللهُ يَومَ القِيامةِ إلى العبدِ لا يُقِيمُ صُلبَه بين ركوعِه وسجودِه» (رواه الطبراني)، فالصلاة السريعة كالنقر مكروهة عند الفقهاء، لكنها قد تصل للتحريم إذا كان فيها ترك لطمأنينة الركن.

10) كثرة التحريك للمكان أو السجادة

مثل سحب السجادة أثناء الصلاة، أو لفها، أو تعديلها المتكرر، والإمام ابن عثيمين قال: “تحريك الفراش بلا حاجة من العبث المكروه”.

11) الإقعاء المكروه بين السجدتين

وهو أن يجلس المصلي على عقبيه ويلصق يديه بالأرض كجلوس الكلب.

12) الصلاة بحضرة الطعام ومدافعة الأخبثين

عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ قال: «لا صلاةَ بحَضْرَةِ طعامٍ ، ولا وهو يُدافِعُه الأَخْبَثانِ» (رواه مسلم)، وذلك لأن قلبه يكون مع الطعام لا مع صلاته، أو أن يكون المصلي بحاجة ملحَّة لقضاء حاجة البول أو الغائط فيفقد الخشوع، لأنها تُذهب الخشوع وتقطع التركيز.

13) تقديم القدمين أو تأخرهما بطريقة غير لائقة

مثل الوقوف على رجل واحدة دون عذر، أو إسناد الظهر إلى جدار بلا حاجة، فذلك يُشعر بالتكاسل ويخالط هيئة اللعب لا هيئة العبادة.

14) التخصُّر في الصلاة

وهو وضع اليد على الخاصرة، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: عَنِ النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ أنَّه نَهَى أنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ مُخْتَصِرًا. وفي رِوَايَةِ أبِي بَكْرِ قالَ: نَهَى رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ (رواه مسلم).

15) فرقعة الأصابع وتشبيكها

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «إذا تؤضَّأَ أحدُكُم في بيتِه ، ثمَّ أتى المسجِدَ ، كان في الصَّلاةِ حتَّى يرجِعَ ، فلا يقُلْ هكَذا و شبَّكَ بين أصابِعِه» (رواه أحمد)،فتشبك الأصابع يدل على العبث، وينافي الوقار والخشوع.

16) الصلاة مع روائح كريهة

كرائحة الثوم والبصل، فعن معدان بن أبي طلحة اليعمري رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «مَن أَكَلَ مِن هاتينِ الشَّجَرتينِ الخَبيثَتينِ، فلا يَقربنَّ مَسجِدَنا، فإن كُنتُمْ لابُدَّ آكِليهِما، فأَميتوهُما طبخًا» (رواه البخاري)، فكيف إذا كان المصلي سيؤذي بذلك نفسه والملائكة والمصلين؟ لذلك عده العلماء مكروهًا.

لماذا نهى الشرع عن هذه مكروهات الصلاة؟

  • حفظ الخشوع وهو لب الصلاة وروحها.

  • تعظيم شأن الوقوف بين يدي الله.

  • حماية الصلاة من العبث والتشتيت.

  • تربية المسلم على الانضباط.

  • تحقيق صورة الصلاة التي كان عليها النبي ﷺ.

فكل مكروه في قائمة الفقهاء يدور حول فكرة مركزية، وهي أن تكون الصلاة سكينة، وحضورًا، ورسوخًا.

الفرق بين المكروه والمحرم في الصلاة

المكروه في الصلاة ينقص الأجر ولا يبطل الصلاة.

أما المحرَّم في الصلاة يأثم فاعله وقد يبطل الصلاة إذا كان الفعل من مبطلاتها.

وقد وضع العلماء ضابطًا مهمًا:”كل ما أذهب الخشوع ولم يخرج عن هيئة المصلي فهو مكروه، وكل ما أخرج الصلاة عن طبيعتها فهو محرَّم أو مبطل”.

كيف يتخلص المسلم من مكروهات الصلاة؟

  • التهيؤ قبل الصلاة، بالوضوء الهادئ، وترك الطعام قبل الأذان، وتفريغ النفس من المشاغل.
  • اختيار مكان مناسب للصلاة بدون تلفاز أو مرآة أو أشياء تلهي.
  • غض البصر عمَّا حوله بتركيز النظر على موضع السجود.
  • التقليل من الحركة، فلا يعبث ولا يطيل التفكير في أمور الدنيا.
  • تعظيم وقت الوقوف بين يدي الله، فمتى عظمت الصلاة في القلب، استقام الجسد لها.

في الختام، يتضح لنا أن مكروهات الصلاة في الإسلام ليست أمورًا ثانوية أو تفاصيل جانبية يمكن للمسلم أن يتساهل معها، بل هي مفاتيح دقيقة تُعين العبد على الارتقاء بصلاته من صورة تؤدَّى إلى روح تُعاش، فالصلاة كما وصفها النبي ﷺ نور، ولا يستقيم نورها إلا إذا أُبعدت عنها شوائب التشويش، وأسباب الغفلة، وكل ما من شأنه أن ينقص خشوع القلب ويقلل من ثواب الوقوف بين يدي الله سبحانه وتعالى.

ومعرفة ما هي مكروهات الصلاة في الإسلام؟ ليست غاية في نفسها، بل هي خطوة أولى على طريق الإصلاح الذاتي، وطريق المجاهدة التي يتعلَّم فيها العبد كيف يربِّي جوارحه على الأدب في حضرة الخالق، وكيف يحفظ قلبه من الشرود، ولسانه من اللغو، ونظره من الالتفات، وقدميه من العبث، ونيته من السهو، فالصلاة عبادة عظيمة، والصلة الأعظم التي تربط العبد بربه، وهي الميزان الذي يُقاس به حال القلب، وأول ما يُحاسَب عليه العبد يوم القيامة.

فلتكن هذه المعرفة بداية عهدٍ جديد مع الصلاة؛ عهد يُضفي عليها نورًا وصفاءً وخضوعًا، ويجعلها الركن الأعظم في حياة المسلم، والباب الأوسع لرحمة الله ورضوانه، ومن اجتهد في إصلاح صلاته، أصلح الله له دنياه وآخرته.

نسأل الله أن يرزقنا خشوعًا يليق بعظمته، وقلبًا حاضرًا في كل سجود، وأن يجعلنا من عباده الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.

المصدر

1

زر الذهاب إلى الأعلى
Index