أسئلةإعرف دينك

ما الحكمة من نزول القرآن مفرقًا؟

ما الحكمة من نزول القرآن مفرقًا؟

الحكمة من نزول القرآن مفرقًا هي واحدة من أجمل مظاهر الرحمة الإلهية التي تُظهر مدى دقة وعمق علم الله سبحانه وتعالى بخلقه، وكيف أنه يعامل الإنسان بحسب طبيعته الضعيفة والمتدرجة في الاستيعاب والتغيير، فتخيلوا لو أن هذا الكنز الإلهي سقط علينا دفعة واحدة مثل مطر غزير يغمر الأرض فجأة، ربما كان ذلك مذهلاً، لكنه قد يغرقنا في تفاصيله قبل أن نستوعبه، وبدلاً من ذلك اختار الله سبحانه وتعالى أن يرسله إلينا قطرة قطرة، وآية بعد آية، على مدار سنوات طويلة.

لماذا هذا الاختيار؟ هذا هو السؤال الذي سنجيب عليه اليوم، مستعرضين الحكمة من نزول القرآن مفرقًا بطريقة مباشرة ومبنية على النصوص الشرعية الأصيلة، وسنستند إلى آيات القرآن والأحاديث النبوية الشريفة، مع لمسات من آراء العلماء، لنرسم صورة كاملة تجعلكم تشعرون بالقرب من هذا الوحي الإلهي، فدعونا نبدأ الرحلة بخطوات هادئة، كما نزل القرآن نفسه.

سأروي القصة كما هي مع أمثلة حية من السيرة النبوية، وإذا كنتم تتساءلون عن السبب في هذا التركيز، فهو ببساطة لأن فهم الحكمة من نزول القرآن مفرقاً يقربنا أكثر من جوهر الإسلام، ويجعلنا نقدر كيف بنى الله أمة من الصفر إلى القمة، فالآن دعونا نفهم أولاً ما يعنيه هذا النزول المفرق.

فهم مفهوم نزول القرآن مفرقًا

عندما نتحدث عن نزول القرآن مفرقًا نعني أنه لم يأتي ككتاب مكتمل في لحظة واحدة، بل جاء تدريجياً، متجاوباً مع أحداث الحياة اليومية للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فبدأ الوحي في غار حراء، حيث قال جبريل عليه السلام: “اقرأ باسم ربك الذي خلق”، واستمر على مدار 23 عاماً تقريباً من عام 610 ميلادياً حتى 632 ميلادياً، وكان كل جزء ينزل في سياق محدد، مرة ليرد على سؤال، وأخرى ليعالج مشكلة اجتماعية، وثالثة ليثبت القلوب أمام الشدائد.

يصف الله هذا النهج بوضوح في القرآن نفسه قال تعالى: “وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَىٰ مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا” (سورة الإسراء، الآية 106)، وتلك الآية ليست مجرد وصف، بل إشارة إلى حكمة عميقة، فالفرقان (القرآن) مقسم ليُقرأ بتأني، مما يسمح بالتدبر والتطبيق التدريجي.

لماذا لم ينزل مثل التوراة أو الإنجيل جملة واحدة؟ لأن الرسالة الإسلامية كانت موجهة لأمة أمية في بيئة قاسية، تحتاج إلى بناء تدريجي، وهذا السياق التاريخي يمهد لنا لفهم الحكم المتعددة، التي سنستعرضها الآن بالتفصيل، مستندين إلى الأدلة الشرعية.

الحكمة من نزول القرآن مفرقًا

الحكمة من نزول القرآن مفرقًا متعددة الأبعاد، وكل واحدة منها تكشف عن جانب من رحمة الله، فدعونا نستعرضها واحدة تلو الأخرى، مع أمثلة حية وآراء العلماء لنعمق الفهم.

تثبيت قلب النبي صلى الله عليه وسلم ومواساته في الشدائد

تخيلوا النبي وحيداً في مكة، محاطاً بالكفار الذين يسخرون منه ويؤذونه، فكان الوحي يأتي كرسائل دعم متجددة، تقوي روحه، ويقول الله تعالى في رده على اعتراض الكفار: “وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً ۚ كَذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ ۖ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا” (سورة الفرقان، الآية 32)، ويُبين الله هنا أن النزول المفرق مصمم لتثبيت فؤاد النبي (أي قلبه)، أمام التحديات، فكل وحي جديد كان كالدواء الذي يشفي الجراح النفسية.

وجاء في السنة أن السيدة عائشة رضي الله عنها روت في صحيح مسلم أن النبي كان يفرح بنزول الوحي في أوقات الشدة مثل نزول سورة الضحى بعد انقطاع الوحي مؤقتاً، حيث قال تعالى: “وَالضُّحَىٰ * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ” (سورة الضحى، الآيات 1-3)، وهذا النزول مواساة مباشرة، كما يقول الإمام الطبري في تفسيره أن هذه الحكمة تجعل القرآن رفيقاً شخصياً للنبي، ويضيف ابن القيم في “زاد المعاد” أن هذا التثبيت لم يكن للنبي فقط، بل للأمة كلها، حيث يتعلمون منه الصبر.

الرد الفوري على شبهات المشركين ودحض حججهم

كان المشركون يطرحون أسئلة ملتوية، مثل “لماذا لا تأتي بالمعجزات كالتي أتى بها موسى؟”، فينزل القرآن يرد مباشرة، فالله تعالى قال: “وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا” (سورة الفرقان، الآية 33)، وهذه الآية تكشف جانباً أساسياً من الحكمة من نزول القرآن مفرقاً ألا وهي القدرة على مواجهة الشبهات أولاً بأول، مما يعزز الإيمان ويبطل الباطل قبل أن ينتشر.

ومثال حي على ذلك ما جاء عن عمر بن الخطاب أنه قال: يا رَسولَ اللَّهِ، لو أمَرْتَ نِسَاءَكَ أنْ يَحْتَجِبْنَ، فإنَّه يُكَلِّمُهُنَّ البَرُّ والفَاجِرُ، فنزلت آية الحجاب في سورة الأحزاب “يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ” (سورة الأحزاب، الآية 59)، وهذا الرد الفوري كما يشرح الإمام الرازي في “مفاتيح الغيب”، يثبت أن القرآن ليس من تأليف بشر، بل من الله الذي يعلم الغيب، وفي حديث آخر من مسلم، نزلت آيات الإفك في سورة النور بعد شائعة عن عائشة، لتبرئتها وتعليم الأمة درساً في الحفاظ على الأعراض.

تسهيل الحفظ والفهم للأمة الأمية

العرب في ذلك الزمان كانوا يعتمدون على الذاكرة الشفهية، ولو نزل القرآن كله مرة واحدة، لكان عبئاً ثقيلاً، لذلك قال الله: “وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَىٰ مُكْثٍ” (سورة الإسراء، الآية 106)، مشيراً إلى أن التقسيم يسمح بالقراءة المتأنية والتدبر، ويقول الصحابي جندب بن عبد الله: “تعلمنا الإيمان ثم تعلمنا القرآن فازددنا إيماناً”، وهذا التعلم التراكمي ما كان ليحدث لولا نزول القرآن مفرقاً.

كما روى أبو داود عن عبد الله بن عمرو أن النبي نهاه عن قراءة القرآن في أقل من ثلاثة أيام، قائلاً صلى الله عليه وسلم: “لا يفقَهُ مَن قرأَ القرآنَ في أقلَّ مِن ثلاثٍ”، وهذا يعكس أهمية التدرج، كما يقول الإمام الشافعي في “الأم” أن هذه الحكمة ساعدت في حفظ القرآن، حيث حفظ الصحابة أجزاء صغيرة ثم بنوا عليها، وفي عصرنا نرى كيف يساعد هذا في تعليم الأطفال، حيث يحفظون سوراً قصيرة أولاً.

تعزيز الإعجاز والتحدي للكفار

نزول القرآن مفرقًا زاد من إعجازه، حيث كان يتحداهم قطعة قطعة، فالله تعالى قال: “فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ” (سورة الطور، الآية 34)، فلو نزل جملة لادعوا أنه مكتوب مسبقاً، لكن التجاوب مع الأحداث يثبت أنه إلهي.

روى الترمذي عن أبي سعيد الخدري أن النبي تحدى قريشاً بإتيان عشر سور مثله ففشلوا، ويقول ابن تيمية في “مجموع الفتاوى” أن هذه الحكمة من نزول القرآن مفرقًا تحول التحدي إلى دليل حي على صدق الرسالة، مما جذب الكثيرين إلى الإسلام.

التكيف مع الحوادث والنوازل الطارئة

الحياة غير متوقعة، والقرآن كان ينزل ليحل المشكلات فوراً، كنزول آية التيمم أثناء السفر عند فقدان الماء، قال تعالى: “فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا” (سورة النساء، الآية 43)، وروى مسلم عن أنس بن مالك تفاصيل الحادثة.

كما نزلت آيات المواريث بعد سؤال عن اليتامى، كما في سورة النساء، ويشرح الإمام القرطبي في تفسيره أن هذه الحكمة تجعل القرآن دليلاً عملياً لكل عصر.

و حينما ظاهَرَ أوس بن الصامت من زوجته خولة نزلت سورة “المجادلة” لتحل أزمة أسرية خاصة، وتصبح تشريعاً عاماً لكل الأمة، وهذا الارتباط بين “الحدث” و”النص” جعل للقرآن هيبة في نفوس المسلمين، فهم يشعرون أن الله يسمعهم ويرى أحوالهم ويشرع لهم من فوق سبع سماوات.

ومن أسرار الحكمة من نزول القرآن مفرقًا وجود النسخ، فقد ينزل حكم يناسب مرحلة الضعف، ثم يُنسخ بحكم يناسب مرحلة القوة والتمكين، وهذا الانتقال السلس يراعي طبيعة النفس البشرية وقدرتها على الامتثال.

التدرج في التشريع لبناء النفوس

بدلاً من الفرض المفاجئ، جاء التدرج ليغير السلوكيات بلطف، وتحريم الخمر مثالًا أولاً في سورة البقرة: “فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ” (219)، ثم النهي عن الصلاة مخموراً، ثم التحريم النهائي في المائدة.

روت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها في مسند أحمد: “ولو نَزَلَ أوَّلَ شَيءٍ: لا تَشْرَبُوا الخَمْرَ، لَقالوا: لا نَدَعُ الخَمْرَ أبَدًا”، ويقول ابن عاشور في “التحرير والتنوير” أن هذا التدرج بنى أخلاق الأمة خطوة بخطوة.

تعظيم شأن القرآن وتكريمه في القلوب

كل نزول كان حدثًا مقدسًا يزيد من هيبته، فالله تعالى قال: “شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ” (سورة البقرة، الآية 185)، وروى البخاري أن جبريل يعارض النبي في رمضان، ويضيف النووي في شرحه أن هذا يعظم القرآن ككلام الله.

إعجاز النظم والترابط رغم التفرق

هنا نأتي لأهم نقطة فلسفية وبيانية، فأي مؤلف بشري يكتب كتاباً على مدار 23 عاماً، سيتأثر أسلوبه بمرور الزمن، وستتغير مفرداته، وربما تتناقض آراؤه، أو يضعف حماسه.

لكن القرآن الكريم، ورغم نزوله مفرقًا في ظروف متباينة (حرب، سلم، سفر، حضر، فقر، غنى)، جاء كالبناء المرصوص، ولا تجد فجوة بين آية نزلت في السنة الأولى وآية نزلت في السنة الأخيرة، وهذا الاتساق الأسلوبي هو برهان عقلي قاطع على أن المصدر واحد، وهو الله عز وجل.

الرد على شبهات المستشرقين حول تفرق النزول

حاول بعض الطاعنين قديماً وحديثاً التشكيك في القرآن، قائلين: “لماذا لم ينزل كتاباً واحداً مرتباً؟”، والرد عليهم يكمن في قلب الحكمة من نزول القرآن مفرقًا:

  • الرد العقلي هو أن الكتب السابقة نزلت جملة واحدة فضاعت وحُرفت وبُدلت لأنها لم تُحفظ في الصدور كما حُفظ القرآن بالتدرج.

  • أما الرد الواقعي أن القرآن نزل قائداً للمعركة، والقائد لا يعطي كل أوامره في اليوم الأول، بل يوجه جيشه حسب مجريات الميدان.

أقوال العلماء في الحكمة من نزول القرآن مفرقًا

قال الإمام الزركشي رحمه الله: “إن في تفريق النزول من الفوائد ما لا يُحصى، منها تثبيت القلب، وسهولة الحفظ، ومواكبة الوقائع”.

وقال الإمام السيوطي: “لو نزل جملة واحدة لثقلت عليهم فرائضه، ولكن الله فرقه ليأخذوه شيئاً بعد شيء”.

أبعاد نفسية واجتماعية عميقة

لو تأملنا في الحكمة من نزول القرآن مفرقا من زاوية علم النفس الحديث، لوجدنا أن “التعلم المصغر” هو أنجح طرق التعليم، وقد طبق القرآن هذا المنهج قبل 1400 عام:

  • تثبيت المعلومة، فالتكرار المتباعد للوحي يرسخ المفاهيم.

  • المكافأة النفسية، ففي كل مرة ينزل فيها الوحي، يشعر المسلمون بتجديد الصلة بالله، مما يرفع الروح المعنوية.

  • صدمة التغيير، فالتغيير المفاجئ يؤدي لرد فعل عكسي، بينما التغيير التدريجي (الذي وفره نزول القرآن مفرقًا) يؤدي إلى استقرار السلوك.

دروس مستفادة للدعاة والمصلحين

لا ينبغي أن تمر علينا الحكمة من نزول القرآن مفرقًا مرور الكرام دون أن نستلهم منها منهجاً لحياتنا:

  • في الدعوة إلى الله لا تطلب من الناس التخلي عن كل معاصيهم في يوم وليلة، وابدأ بالأهم ثم المهم، كما فعل القرآن.

  • في طلب العلم لا تحاول حفظ العلم جملة واحدة، فمن رام العلم جملة ذهب عنه جملة، فالعلم يُنال مع الأيام والليالي.

  • في إصلاح المجتمع يحتاج التغيير الجذري إلى صبر ونفس طويل، تماماً كما استغرق بناء المجتمع المسلم الأول 23 عاماً من التنزيل.

في الختام، إن تأملنا في الحكمة من نزول القرآن مفرقًا يقودنا في النهاية إلى تعظيم الخالق سبحانه وتعالى، وأن هذا الكتاب لم يأتي ليملأ الرفوف، بل جاء ليصنع الإنسان، ولو كان قد نزل مرة واحدة، لربما فقدنا هذا التفاعل الحي بين السماء والأرض الذي استمر لأكثر من عقدين، والذي جعل من جيل الصحابة “قرآناً يمشي على الأرض”.

إن هذا المنهج الإلهي في التنزيل يظل شاهداً على صدق نبوة النبي ﷺ، وعلى رحمة الله بالبشرية التي أراد لها الهداية بأرفق السبل وأحكمها.

المصدر

                                                                                                                                                                 1، 2، 3

زر الذهاب إلى الأعلى
Index