كيف تعرف أنك مسحور؟، السحر من الأمور الواقعية في عالم الغيب، وقد أثبتها القرآن الكريم والسنة النبوية، وحذرنا الله منها، وجعلها سببًا للضرر إذا وقع بيد أصحاب الباطل، فالله تعالى يقول في كتابه: {وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ…} [سورة البقرة، الآية 102]، وواقع السحر لا يخفى على أهل الفقه والطب النفسي، فهو قد يؤثر في الجسد، أو العقل، أو النفس، أو العلاقات، وقد يقود أحيانًا إلى التفكك الأسري والأزمات النفسية العميقة.
لكن ليس كل مرض أو ضيق هو سحر، وفي هذا المقال سنتناول العلامات العامة التي قد تشير إلى وجود السحر، وطرق التأكد الشرعي، والعلاج والتخلص منه، والوقاية مع توضيح أن كل ذلك يتم بإذن الله تعالى وبقوة التوكل عليه.
حقيقة السحر في الإسلام
السحر في الشرع هو عقد وعزائم ورُقى يتقرب بها الساحر إلى الشياطين، بهدف التأثير على المسحور بالضرر أو التغيير، والسحر أنواع منه ما يكون بالتخييل، ومنه ما يكون بالتأثير الحقيقي في الأبدان والعقول.
قال الإمام القرطبي: “السحر حقيقة وله تأثير بإذن الله، وقد يمرض ويسقم ويقتل، ويفرق بين المرء وزوجه، وهذا كله واقع ومشاهد”.
وقد دل على حقيقة السحر قوله تعالى: {فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ} [سورة البقرة، الآية 102]، فهذا نص صريح على أن السحر قد يؤثر في التفريق بين الزوجين، وهو من أخطر أنواعه.
والسحر يهدف لإحداث أذى في بدن المسحور أو قلبه أو عقله أو حياته العامة، واعلم أن السحر يؤثر بإذن الله لا بذاته، فلا يقع إلا إذا شاء الله سبحانه وتعالى، لقوله تعالى: “وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ” [سورة البقرة، البقرة 102].
الفرق بين السحر والابتلاء الطبيعي
ليس كل مرض أو ضيق أو مشكلة هو سحر، فالمؤمن قد يُبتلى بأمراض وأزمات لحكمة من الله، ليكفر عنه الذنوب أو يرفع درجاته، لقول النبي ﷺ: “ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم، حتى الشوكة يشاكها، إلا كفَّر الله بها من خطاياه” (رواه البخاري ومسلم).
لكن السحر يتميز عن غيره بأعراض خاصة غالبًا ما تكون غير مفسرة طبيًا أو نفسيًا، وتتكرر بطريقة غريبة، وتتوافق مع أوصاف السحر الواردة في النصوص الشرعية وتجارب الرقاة الثقات.
الفرق بين السحر والمرض النفسي
من الأخطاء الشائعة أن يُنسب كل ضيق أو مرض إلى السحر، بينما قد تكون الأسباب نفسية أو عضوية بحتة.
الفرق الجوهري أن السحر غالبًا يقترن بعلامات شرعية مثل النفور من ذكر الله أو ازدياد الأعراض أثناء الرقية الشرعية.
أما المرض النفسي أو الجسدي فيتأثر بالعلاج الطبي ولا يظهر عليه التفاعل الشرعي المعتاد أثناء قراءة القرآن.
علامات السحر (أعراض السحر)
-
اضطراب شديد في الحياة بلا سبب واضح، ويشعر المسحور بأن حياته تنقلب فجأة، فيرى الأبواب تُغلق أمامه، والمشاريع تتعطل، والعلاقات تفسد، بلا سبب مادي ظاهر. قال ابن القيم رحمه الله: “السحر من أعظم أسباب فساد الأحوال وتغيير الطبائع”.
-
تغير مفاجئ في المشاعر والأفكار، ومن أبرز العلامات أن يشعر الشخص بنفور شديد من أقرب الناس إليه، خصوصًا الزوج أو الزوجة، أو يتحول الحب إلى بغض وكراهية حادة بلا سبب وجيه.
-
الأحلام المزعجة المتكررة، وكثرة رؤية الكوابيس الموحشة، أو رؤية الحيوانات المؤذية كالحيّات والعقارب، أو الشعور بالسقوط من مكان عالٍ، من الأمور التي لاحظها أهل الرقية على المصابين بالسحر.
- آلام وأمراض لا يُعرف لها سبب طبي، ويشعر الشخص بصداع مزمن، أو ثقل في الجسد، أو وخز متنقل، وقد يذهب للأطباء فلا يجدون سببًا عضويًا، وهنا يُحتمل أن يكون السبب روحيًا.
-
الشرود والنسيان المفرط، فيصبح المصاب كثير النسيان، غير قادر على التركيز، وكأن ذهنه دائمًا مشوش، وهو ما سماه العلماء “التشويش الذهني” الناتج عن تأثير السحر.
-
ضيق الصدر والنفور من الطاعات، فمن العلامات المؤثرة أن يجد الشخص ضيقًا شديدًا عند سماع القرآن أو الأذان، أو يشعر بثقل شديد يمنعه من الصلاة وقراءة القرآن، وهذا أمر خطير يدل على تأثير روحي.
كيف تعرف أنك مسحور؟
لا يمكن الجزم بأن شخصًا ما مسحور إلا بعد التأكد من الأمور التالية:
-
استبعاد الأسباب الطبية والنفسية عبر الفحص عند الأطباء.
-
عرض الحالة على راقي شرعي موثوق يلتزم بالرقية من الكتاب والسنة.
-
تكرار الأعراض وعدم استجابتها للعلاج الطبي.
-
تأثر المسحور عند سماع الرقية مثل الصراخ أو التقيؤ أو التعرق الشديد.
العلاج الشرعي من السحر
العلاج من السحر يكون بالطرق المشروعة، وهي:
التوبة الصادقة
يجب على العبد أن يتوب توبة صادقة ويرجع إلى الله، فالمعصية قد تكون بابًا لدخول الشياطين.
الرقية الشرعية
قراءة آيات السحر مثل آية الكرسي [سورة البقرة، الآية 255]، وخواتيم سورة البقرة [الآيتين 285-286]، والمعوذاتين (الفلق والناس)، وآيات من سورة يونس وطه والأعراف التي ذكرت السحر.
المحافظة على الأذكار والتحصين
المواظبة والمحافظة على التحصن بالأذكار كأذكار الصباح والمساء، وكذلك أذكار النوم والاستيقاظ، والاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم دائمًا، فالنبي ﷺ قال: “من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، في يوم مئة مرة كانت له حرزًا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي” [رواه البخاري ومسلم].
إبطال السحر إن عُرف مكانه
إذا وُجد السحر جاز استخراجه وإبطاله بالطريقة الشرعية دون إيذاء أحد أو استخدام السحر المضاد، بل بالقراءة والنفث بالماء والملح، كما فعل النبي ﷺ حين وجد مشطًا فيه شعره في بئر ذروان.
الاغتسال بالماء المقروء عليه
يُقرأ على الماء آيات الرقية الشرعية، ثم يشرب منه المريض ويغتسل، مع الاستمرار لمدة أيام حتى يزول الأثر.
كيفية الوقاية من السحر قبل وقوعه
الوقاية خير من العلاج، وأهم وسائل الوقاية:
-
الالتزام بالصلاة في أوقاتها، والمحافظة على قراءة القرآن، مع تجنب معاصي الله.
-
قراءة سورة البقرة في البيت.
-
التحصين بالأذكار يوميًا.
-
البعد عن الحسد والعين بنشر النعم بقدر، وعدم كشف الخصوصيات أمام الحاسدين.
-
الدعاء بالحصانة من كل شر: “باسم الله الذي لا يضرّ مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء، وهو السميع العليم”.
🟢 إذا أيقن المسحور أن الله وحده هو النافع الضار، وأن السحر لا يضر إلا بإذن الله نجا قلبه من الخوف والاضطراب، فالنبي ﷺ: “واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن يضروك بشيء، لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك” [رواه الترمذي]، والصبر مع الاستعانة بالله، والمحافظة على الطاعات، والإكثار من الدعاء، هي أعظم الأسلحة التي تحصِّن المؤمن وتزيل أثر السحر.
في الختام، قدمنا لك كل ما تريد معرفته عن كيف تعرف أنك مسحور؟، ووجدنا أن معرفة علامات السحر أمر مهم، لكن الأهم هو عدم الانسياق وراء الأوهام أو الحكم على النفس أو الآخرين بلا بينة، فالسحر موجود ولكنه لا يضر إلا بإذن الله، والعلاج منه ميسور بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ، وليكن يقينك دائمًا أن الله هو الحافظ، وأنك ما دمت ملازمًا لطاعته، فلن يصل إليك كيد ساحر أو شيطان.